وما يبكيك ؟ قال : أبكاني كلامه . قلت : ما هو ؟ كنا وقوفا في المقابر ، فأنشدوا :
أتيت القبور فاسألنها * أين المعظّم والمحتقر
وأين المذل بسلطانه * وأين القويّ إذا ما قدر
ففاتوا جميعا فما مخبر * وماتوا جميعا ومات الخبر
فيا سائلي عن أناس مضوا * أمالك فيما ترى معتبر
تروح وتغدو وأبلاك الثرى * فتمحوا محاسن تلك الصور
وقد روي عن جعفر بن سليمان ، عن مالك بن دينار ، أنه قال : أتيت القبور فناديتها ، فذكر الأبيات الثلاثة ، ثم قال : فهتف بي هاتف :
تفانوا هناك فما من مخبر * وبادوا جميعا وباد الخبر
فذكر الأبيات الثلاثة أيضا .
وروى ابن البراء أيضا ، بإسناده أن قبرا أصيبت عليه هذه الأبيات مكتوبة :
الموت أخرجني من دار مملكتي * فالتراب مضجعي من بعد ترفي
للّه عبد رأي قبري فأعبره * وخاف من دهره ريب التّصاريفي
أستغفر اللّه من جرمي ومن حنقي * وأسأل اللّه فوزي يوم توفيقي
هكذا مصير بني الدّنيا وإن نعموا فيها * وغرّهم طول التساويفي
وروى ابن أبي الدنيا « 1 » بإسناده له ، أنّه قرأ على قبر بشيراز :
ذهب الأحبّة بعد طول تودّد * ونأى المزار فأسلموك واتّشعوا
خذلوك أفقر ما تكون بغربة * لم يؤنسوك وكربك لم يدفعوا
قضى القضاء وصرت صاحب حفرة * عند الأحبة عرضوا وتصدّعوا
وبإسناد له « 2 » ، قال : قرئ على قبر بمقابر البصرة مكتوب :
يا غافل القلب عند ذكر المنيّات * عمّا قليل ستثوي بين أموات
فاذكر محلّك قبل الحلول به * وتب إلى اللّه من لهو وملذات
إن الحمام له وقت إلى أحد * فاذكر مصائب أيام وساعات
لا تطمئنّ إلى الدنيا وزينتها * قد حان للموت يا ذا اللبّ أن يأتي
وقرئ على قبر آخر :
ستعرض عن ذكري وتنسى مودّتي * ويحدث بعدي للخليل خليل
هامش
( 1 ) في « القبور » ( 220 ) .
( 2 ) المصدر السابق ( 221 ) .