ينام إلا في بيت فيه سراج ، قال : فطفئ سراجه ذات ليلة فخرج هاربا ، فقيل له ما شأنك ؟ قال : ذكرت ظلمة القبر .
وروينا حديث خالد بن خداش ، قال : كنت أقعد إلى أشيم البلخي عمّ قتيبة وكان أعمى ، وكان يحدث ، ويقول : أواه القبر وظلمته ، واللحد وضيقه ، وكيف أصنع ؟ ثم يغشى عليه . ثم يعود فيحدث ، فيصنع مثل ذلك ، مرّات حتى يقوم .
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده ، عن وهيب بن الورد قال : نظر ابن مطيع يوما إلى داره فأعجبه حسنها ، فبكى ، ثم قال : واللّه لولا الموت لكنت بك مسرورا ، ولولا ما نصير إليه من ضيق القبور لقرت بالدنيا أعيننا ؛ ثم بكى بكاء شديدا ، حتى ارتفع صوته .
وبإسناده عن الفيض بن إسحاق ، قال : قال لي الفضيل بن عياض : أرأيت لو كانت لك الدنيا ، فقيل لك : تدعها ويوسع لك في قبرك ، ما كنت تفعل ؟ قال : فقال فضيل : أليس تموت وتخرج من أهلك ومالك ، وتصير إلى القبر وضيقه ؟ ؟ ؟ وحدك ، ثم قال :
فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ
[ الطارق : 10 ] ، ثم قال : إن كنت لا تعقل هذا ، فما في الأرض دابّة أحمق منك « 1 » .
قال : وأخبرنا محمد بن الحسين ، حدّثني محمد بن حرب المكي ، قال : قدم علينا أبو عبد الرحمن العمري العابد ، فاجتمعنا إليه ، وأتاه وجوه أهل مكة ، قال :
فرفع رأسه فنظر إلى القصور المحدقة بالكعبة ، فنادى بأعلى صوته : يا أصحاب القصور المشيدة ، اذكروا ظلمة القبر الموحشة ، يا أهل النعيم والتلذذ ، اذكروا الدود والصديد وبلي الأجساد في التراب ، قال : ثم غلبته عيناه فنام .
وقال : في كتاب ( العزلة ) : حدّثنا حسن بن عبد الرحمن ، عن رجل ، قال : دخلت على رجل بالمصيصة في بيته ، فيه فرشة وقماشة ، فقلت : أما يضيق صدرك من هذا ؟
فبكى ، وقال : إذا ذكرت القبر وظلمته وضيقه اتسع هذا عندي ، ولهيت عن غيره .
وذكر بإسناد له ، أنّ سعيد بن عبد العزيز دخل على سليمان الخواصّ ، فقال :
ما لي أراك في الظلمة ؟ قال : ظلمة القبر أشد .
قال أبو الحسن بن البراء : حدّثنا أبو حمزة الأنصاري ، حدّثني أبو المضرّجي ، قال : خرجت غازيا ، فمررت ببعض حصون الشام ليلا ، فوجدت باب الحصن مغلقا ومقبرة على الباب ، فبتّ بجنب المقبرة ، بالقرب من قبر محفور ، فلمّا نمت إذا بهاتف من القبر وهو يقول شعرا :
أنعم اللّه بالخيالين عينا * وبمسراك يا أميم إلينا
هامش
( 1 ) أخرجه ابن أبي الدنيا في « القبور » ( 160 ) .