تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
وقد استدل أرباب هذا القول بقوله تعالى :
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ
[ آل عمران : 185 ] ، وهذا حقّ كما أخبر اللّه به ، لا مرية فيه ، لكن الشأن في فهم معناه ، فإن النفس يراد بها مجموع الروح والبدن . كما في قوله تعالى :
وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها
[ الشمس : 7 ، 8 ] . وقوله سبحانه وتعالى :
فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ
[ النجم : 32 ] . وقوله تعالى :
وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ
[ النساء : 29 ] . وقوله تعالى :
كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ
[ المدثر : 38 ] . وقوله تعالى :
يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها
[ النحل : 111 ] . وقوله النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « ما من نفس منفوسة إلا اللّه خالقها » « 1 » . وقوله عليه السلام : « ما من نفس منفوسة اليوم ، يأتي عليها مائة سنة وهي حيّة يومئذ » . وفي رواية : « لا يأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم » « 2 » . والمراد موت الأحياء الموجودين في يومه ذلك ، ومفارقة أرواحهم لأبدانهم ، قبل المائة سنة ، ليس المراد عدم أرواحهم واضمحلالها ، فكذلك قوله سبحانه وتعالى :
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ
، إنما المراد كل مخلوق فيه حياة فإنه يذوق الموت ، وتفارق روحه بدنه ، فإن أراد أنها تعدم وتتلاشى فليس بحق ، وقد اشتدّ نكير العلماء لهذه المقالة ، حتى قال سحنون بن سعيد وغيره : هذا قول أهل البدع ، والنصوص الكثيرة الدالة على بقاء الأرواح بعد مفارقتها الأبدان تردّ ذلك وتبطله . ولكن تخيل بعض المتأخرين موت الأرواح عند النفخة الأولى مستدلا بقوله تعالى :
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ
[ الزمر : 68 ] ، وردّ عليه آخرون ، وقالوا : إنما المراد به يموت من لم يكن مات قبل ذلك ، ولكن ورد عن طائفة من السلف في قوله :
إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ
، أن المستثنى هم الشهداء . روي ذلك عن أبي هريرة عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في حديث الطور الطويل ، ومن وجه آخر بإسناد أجود من إسناد حديث الطور . وهذا يدل على أن للشهداء حياة يشاركون فيها الأحياء ، وقد قيل في الأنبياء مثل ذلك أيضا . وعلى هذا حمل طائفة من العلماء منهم البيهقي وأبو العباس القرطبي قول النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في قوله تعالى :
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى
. « فأكون أنا أول من يبعث ، فإذا موسى آخذ بالعرش ، فلا أدري أجوزي
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ( 7409 ) بلفظ : « ليست نفس مخلوقة إلا اللّه خالقها » . ( 2 ) أخرجه مسلم ( 2538 ) و ( 2539 ) .
أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور — صفحة 117 | عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي ( ابن رجب الحنبلي )