في بيان مغايرة الروح للبدن
ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ
[ 23 / 14 ]
نور [ الإنسان له روح وبدن ]
اعلم أنّ الإنسان في الحقيقة أمر وراء هذا البدن المحسوس ، وهو من عالم الملكوت ، وبه قوام هذا البدن ، وهو ليس من جنسه ولا من جنس شيء من أجزائه ، فإنّ في إهاب « 1 » كلّ حيوان كامل حيوانا آخر من عالم الغيب ، هو في الحقيقة يسمع ويرى ويشمّ ويذوق ويلمس ويبطش ويمشي ، ولهذا يفعل هذه الأفاعيل وإن ركدت هذه القوى والحواسّ البدنيّة منه - كما في النوم والإغماء والسكر - فله في ذاته هذه المشاعر والقوى والآلات من غير عوز ، إلّا أنّها ليست ثابتة في عالم الحسّ والشهادة ؛ وهذه المشاعر الظاهرة بمنزلة ظلال لتلك ، وكذلك هذا البدن الظاهر بمنزلة قشر وغلاف وقالب لذلك البدن ، وإنّما حياة هذه كلّها بذاك ، وهو الحيوان بالذات . وإليه الإشارة بقوله عزّ وجلّ :
ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ
[ 23 / 14 ] . وقال في حقّ آدم :
وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي
[ 15 / 29 ] . وفي حقّ عيسى :
وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ
[ 4 / 171 ] . وهذه الإضافة تؤذن على شرف هذه النفس ، وكونها عريّة عن عالم الأجرام .
وقال تعالى :
يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ
[ 89 / 27 - 28 ] والرجوع يدلّ على السابقة .
هامش
( 1 ) مل : من اهاب .