تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار الجلالية في شرح الفصول النصيرية — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
فقالت المعتزلة : المراد بالكلام هو الحروف والأصوات المنتظمة الدالّة على المعاني . والمراد بالمتكلّم من أوجد هذه الحروف والأصوات ، وأنّ تلك الحروف والأصوات حادثة . واستدلّوا على الأوّل بأنّ ذلك هو المتبادر إلى الذهن من إطلاق لفظ الكلام ، ولهذا لا يقال عن الأخرس : إنّه متكلّم . وعلى الثاني بأنّ المتكلّم اسم فاعل عند أهل اللغة وهم لا يطلقونه إلّا على من وجد منه الفعل . وعلى الثالث بأنّه عرض مفتقر إلى موضوع وهو غير باق ضرورة . وأيضا : هو مركّب من الحروف التي يعدم السابق منها بوجود اللاحق . وهذه كلّها دلائل الحدوث فلا يكون قديما . وقالوا : المراد بكونه تعالى متكلّما هو أنّه أوجد حروفا وأصواتا في أجسام جامدة يعبّر بها عن مراده ؛ لأنّ هذا أمر ممكن واللّه تعالى قادر على كلّ الممكنات ، كما تقدّم . وقالت الأشاعرة : إنّ الكلام وإن اطلق على ما ذكرتم لكنّه يطلق أيضا على معنى قائم بالنفس ليس بأمر ولا نهي ولا خبر ولا استخبار ولا غير ذلك ، بل هذه الأمور عبارات عنه ، كما قال الأخطل « 1 » :
إنّ الكلام لفي الفؤاد ، وإنّما * جعل اللسان على الفؤاد دليلا
واللّه تعالى متكلّم بمعنى أنّه قائم بذاته ذلك المعنى . قالوا : وهو قديم ؛ لأنّه صفة له تعالى ، وكلّ صفاته قديمة . قوله : « فإن قيل » إلى آخره ، إشارة إلى كلام الأشاعرة هنا . وتقريره : أنّا لا ننكر كون الحروف والأصوات كلاما ، ولا أنّها حادثة ، بل نقول : إنّ له تعالى صفة قديمة قائمة بذاته ، تصدر عنها الحروف والأصوات . وتلك الصفة يعبّر عنها بالكلام . قال المصنّف : إنّا بيّنّا أنّ هذه الحروف صادرة عنه بقدرة واختيار وعلم ، ولا يتصوّر
هامش
السادس : أنّه إنّما يتحقّق بالمباحثة وإدارة الكلام بين الجانبين ، وغيره قد يتحقّق بالتأمّل ومطالعة الكتب . السابع : أنّه لابتنائه على الأدلّة القطعيّة المؤيّدة أكثرها بالأدلّة السمعيّة أشدّ العلوم تأثيرا في القلب وتغلغلا فيه ، فسمّي بالكلام المشتقّ من الكلم وهو الجرح . شرح العقائد النسفيّة : 15 ، جامع العلوم 3 : 134 ، مذاهب الإسلاميّين 1 : 29 . ( 1 ) - غياث بن غوث بن الصلت بن طارقة بن عمرو . التّغلبيّ النصرانيّ ، الشاعر المعروف المقرّب عند خلفاء بني أميّة لمدحه إيّاهم وانقطاعه إليهم . وهو أحد الثلاثة المتّفق على أنّهم أشعر أهل عصرهم : جرير ، والفرزدق ، والأخطل . الكنى والألقاب 2 : 12 ، الأعلام للزركليّ 5 : 123 .