تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار الجلالية في شرح الفصول النصيرية — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
الوجوه فقد وصل إلى مرتبة التوحيد . وليس المراد من الاتّحاد ما توهّمه جماعة قاصروا النظر ، وهو أن يتّحد العبد باللّه ، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا . بل هو أن لا ينظر إلّا إليه من غير أن يتكلّف ويقول : كلّ ما عداه قائم به ، فيكون الكلّ واحدا . بل من حيث إنّه إذا صار بصيرا بنور تجلّيه لا يبصر إلّا ذاته تعالى لا الرائي ولا المرئيّ به . قالوا : ومن هذا قول من قال : أنا الحقّ . ومن قال : سبحاني ما أعظم شاني . لم يدّع الإلهيّة ، بل ادّعى ( نفي إنّيّته بسلب إنّيّة غيره ) « 1 » .

[ الوحدة ]

السادس : الوحدة . قالوا : وحدة الشيء أبلغ من اتّحاده ؛ فإنّ الاتّحاد صيرورة الشيئين واحدا ، وفيه شمّة من كثرة ليست في الوحدة . وفي هذا المقام يعدم كلّ شيء من الكلام والذكر والحركة والسير والسلوك ، والطلب والطالب والمطلوب . « إذا بلغ الكلام إلى اللّه فأمسكوا » « 2 » . ولم يبق بعد ذلك إلّا مرتبة الفناء في التوحيد
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
« 3 » . لا يكون في الوحدة شيء من الأمور المذكورة ولا غيرها
وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ
« 4 » . قال : إلّا أنّ ذلك قباء لم يخط على قدّ كلّ ذي قدّ ، ونتائج لم يعلم مقدّماتها كلّ ذي جدّ ، بل
ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ
« 5 » . جعلنا اللّه وإيّاكم من السالكين لطريقه ، المستحقّين لتوفيقه ، المستعدّين لإلهام الحقيقة بتحقيقه ، المستبصرين بتجلّي هدايته وتدقيقه . أقول : لمّا ذكر كيفيّة المجاهدات في السير المسمّى ب « السلوك » طلبا لاقتناص الواردات والوصول إلى الكمالات ، قال : إلّا أنّ ذلك قباء لم يخط على قدّ كلّ ذي قدّ .
هامش
( 1 ) - ما بين القوسين في « ح » : نفي إنّيّته بسلب اثنينيّته غيره ، وفي « م » : نفي اثنينيّة بسبب إنّيّة غيره ، وفي « ن » « خ » : إنّيّته بسبب إنّيّة غيره . وما أثبتناه تلفيق من النسخ . ( 2 ) - عن سليمان بن خالد قال : قال أبو عبد اللّه عليه السّلام : « يا سليمان إنّ اللّه يقول :أَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى. فإذا انتهى الكلام إلى اللّه فأمسكوا » . الكافي 1 : 92 / الحديث 2 ، المحاسن 1 : 237 / الحديث 206 ، البحار 3 : 264 . ( 3 ) - القصص / 88 . ( 4 ) - هود / 123 . ( 5 ) - المائدة / 54 .