تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . ) — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
دليل آخر من جهة العقل : وهو أنك تقول : حقيقة الخلق والإحداث هو إخراج الشيء من العدم إلى الوجود ، وإذا كان الواحد منا على زعمكم يقدر أن يخلق حركة معدومة حتى يخرجها من العدم إلى الوجود ، وأن يخلق شيئا زائدا فيخرجه من العدم إلى الوجود ، وأن يخلق له لونا غير لونه فيخرجه من العدم إلى الوجود ، وفي هذا القول الخبيث التسوية بين قدرة اللّه تعالى وقدرة العباد ، وأنهم يقدرون على ما يقدر عليه . تعالى ربنا عن ذلك علوا كبيرا . * * *

فصل [ الرد على من احتج على خلق الأفعال بالآيات القرآنية ]

نذكر فيها شبها يزعمون أن لهم فيها حجة ، وليس لهم حجة بحمد اللّه تعالى كما قال :
حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ
[ الشّورى : 16 ] فإن احتجوا بقوله تعالى :
جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
[ السّجدة : 17 ] قالوا : فأثبت لنا العمل ، والعمل هو الفعل ، والفعل هو الخلق ، فالجواب : أنه تعالى أراد هاهنا بالعمل الكسب ، والعبد مكتسب على ما بيّنّا . يدل على ذلك : أنه قال في موضع آخر :
جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
[ التّوبة : 82 ] نحن لا نمنع أن يكون سمى كسب العبد عملا له ، إنما نمنع أن يكون العبد خالقا مخترعا لفعله مخرجا له من العدم إلى الوجود ، وقد بيّنّا أن الخلق والاختراع والخروج من العدم إلى الوجود لا يقدر عليه إلا اللّه تعالى ، فلم يكن لهم في الآية حجة . فإن احتجوا بقوله تعالى :
فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
[ المؤمنون : 14 ] وبقوله تعالى :
الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ
[ السّجدة : 7 ] وبقوله تعالى :
وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ
[ المائدة : 110 ] فالجواب من أوجه : أحدها : أنه يعني بقوله :
أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
[ المؤمنون : 14 ] يعني أحسن المقدرين ، فعيسى عليه السلام يقدر الطين صورة ، والخلق يقدرون الصورة صورة ، لا أنهم يخرجون الصورة من العدم إلى الوجود ، فقال تعالى :
أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
[ المؤمنون : 14 ] أي المقدرين . فاعلم ذلك . جواب آخر : وذلك أن اللّه تعالى هو الخالق لا خالق سواه ، لكن لما ذكر معه غيره قال :
أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
[ المؤمنون : 14 ] وإن كان هو الخالق على الحقيقة دون غيره ، كما يقال : عدل العمرين ، وإنما هو أبو بكر وعمر ، لكن لما جمع بينهما سماهما باسم واحد ، وكذلك قول الفرزدق :
أخذنا بأكناف السماء عليكم * لنا قمراها والنجوم الطوالع
العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . ) — صفحة 194 | الشيخ محمد زاهد الكوثري