الطاعة هو المقروء في حال المعصية ، وهذا أمر قد اتضح بحمد اللّه تعالى لمن له أدنى عقل وتصور .
مسألة
ويجب أن يعلم أنه لا يجوز أن يقول أحد إني أتكلم بكلام اللّه ، ولا أحكي كلام اللّه ولا أعبر كلام اللّه ولا أتلفظ بكلام اللّه ، ولا أن لفظي بكلام اللّه مخلوق ولا غير مخلوق ، بل الذي يجوز أن يقول : إني أقرأ كلام اللّه تعالى ، كما قال تعالى :
فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ
[ النّحل : 98 ] وكما قال :
فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ
[ المزمّل : 20 ] ويجوز أن يقول : إني أتلو كلام اللّه ، كما قال تعالى :
وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ
[ النّمل : 92 ] ويجوز أن يقول إني أحفظ القرآن كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « من حفظ القرآن ثم نسيه . . . الخبر » . فكل ما نطق به الكتاب والسنة في القرآن جاز لنا أن نطلقه ، وما لا ينطق به كتاب ولا سنة فلا نطلقه في اللّه تعالى ، ولا في صفاته . فاعلم ذلك وتحققه .
وأيضا فإن زيدا إنما يكون متكلما بكلامه ، ولا يجوز أن يكون زيد متكلما بكلام عمرو ، وكذلك لا يكون زيد أسود سوادا من عمرو ، ومن عجيب الأمر أن المجسمة الحشوية لا يجوزون أن يتكلم زيد بكلام عمرو وعمرو مخلوق ، وكلامه مخلوق ، والمخلوق إلى المخلوق أقرب في الشبه والذات والصورة والحكم ، ويجوزون أن يقولوا : نتكلم بكلام اللّه تعالى وكلام اللّه غير مخلوق ولا يشبه كلام الخلق في الذات والحكم .
مسألة
ويجب أن يعلم أن الكلام الحقيقي هو المعنى الموجود في النفس لكن جعل عليه أمارات تدل عليه ، فتارة تكون قولا بلسان على حكم أهل ذلك اللسان وما اصطلحوا عليه وجرى عرفهم به وجعل لغة لهم ، وقد بيّن تعالى ذلك بقوله :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ
[ إبراهيم : 4 ] فأخبر تعالى أنه أرسل موسى عليه السلام إلى بني إسرائيل بلسان عبراني ، فأفهم كلام اللّه القديم القائم بالنفس بالعبرانية ، وبعث عيسى عليه السلام بلسان سرياني ، فأفهم قومه كلام اللّه القديم بلسانهم ، وبعث نبينا صلى اللّه عليه وسلم بلسان العرب ، فأفهم قومه كلام اللّه القديم القائم