الثاني : بعد التكامل الإنساني الفردي والجماعي من خلال الامتحان والابتلاء ، وهذا البعد هو البعد الملحوظ في كثير من الروايات ذات العلاقة بهذه الخصوصية التي أشرت إليها في شيعة أهل البيت عليهم السّلام ، إذ لا يتحقق هذا التكامل إلّا من خلال هذه المحنة والآلام .
وإنّ قضية المحنة والابتلاء قانون وخصوصية ثابتة يراد منها تمحيص وفتنة الفرد الإنساني وتمحيص الجماعة وفتنتها ، قال تعالى :
الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ
« 1 » ، وقال تعالى :
. . . إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ
« 2 » ، وهذا الأمر شبيه ما في تنقية الذهب عندما يفتن ويصهر في النار ، فيمحص ويميّز عما اختلط به من نحاس أو معدن آخر يمكن أن يختلط به .
فعند ما يراد تمحيص وتنقية الإنسان وتزكيته وتطهيره من كل الشوائب الأخرى التي تعتريه لا بدّ أن يمحص بالفتنة والبلاء ، قال تعالى :
أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ
« 3 » ، فقضية الفتنة والامتحان سنّة إلهية يراد منها التمحيص والتزكية للصالحين من عباد اللّه والوصول بهم إلى درجة الكمال المطلوب ، لأن هذا هو الطريق الذي وضعه اللّه تعالى للكمال المطلوب في الإنسان ، بعد أن خلقه موجودا مريدا ، نفخ فيه من روحه .
ولذلك ورد في الروايات عن النبي صلّى اللّه عليه وآله ، في حديث أبي ذر قال : إنّه أتى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله فقال : إنّي أحبّكم أهل البيت ، فقال له النبي صلّى اللّه عليه وآله : « فأعد للفقر تجفافا ، فإن الفقر أسرع إلى من يحبّنا من السيل من أعلى الأكمة إلى أسفلها » « 4 » ، فإنّ
هامش
( 1 ) الملك : 2 .
( 2 ) الأعراف : 155 .
( 3 ) العنكبوت : 2 .
( 4 ) سنن الترمذي 4 : 576 / 2350 ، كنز العمال 13 : 639 / 37615 ، باختلاف في اللفظ . . .