تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل — صفحة 40

مساهمون:

ص٤٠
عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي . . .
« 1 » . وهذا الجليس لم يكن نبيّا ، ولكن كان صاحب علم من الكتاب ، ومن المعلوم أنّ هذا العلم لم يحصل له من الطرق العادية التي يدرج عليها الأولاد والشبّان في الكتاتيب والمدارس ، وإنّما هو علم إلهي احتضنه بلياقته وكفاءته ، ولأجل ذلك ينسب علمه إلى فضل ربّه ويقول :
هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي
. والشاهد على رسالة النبي ، إلى جانب شهادته سبحانه ، الذي يقول سبحانه في شأنه :
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا ، قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ، وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ
« 2 » . والسورة مكية على ما يدلّ عليه سياق آياتها ، ونقل عن الكلبي أنّه قال : « إنّها مكية إلّا هذه الآية » ، ويدفعه أنّها مختتم السورة ، قوبل بها ما في مفتتحها ، أعني قوله سبحانه :
المر ، تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ ، وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ
« 3 » ، فيبعد جدا أن يفرق بين المتقابلين بأعوام . فعندئذ يجب الإمعان في هذا الشاهد الذي عطفه سبحانه على نفسه ، وعدّه شاهدا على رسالة النبي كشهادة نفسه سبحانه . أفيصحّ أن يقال إنّ المراد ، القوم الذين أسلموا في المدينة ، كعبد اللّه بن سلام ، وتميم الداري ، وسلمان الفارسي ، مع أنّ الآية نزلت في مكّة ؟ . على أنّ عطف هؤلاء في الشهادة ، على اللّه سبحانه ، لا يخلو من غموض وإبهام . فلا بدّ أن يكون المراد من الشاهد هنا إنسانا مثاليا ، كان موجودا في مكة ، وهو أعلم الناس بالكتاب ، حتى يصحّ أن يجعل عدلا آخر للشهادة ، ولا يكون هذا الإنسان إلّا من تربّى في حجر النبوة وحضنها ، وتحمّل علومها ، بتعليم غيبي إلهي ، لا بتعليم بشري عادي .
هامش
( 1 ) سورة النمل : الآية 40 . ( 2 ) سورة الرعد : الآية 43 . ( 3 ) سورة الرعد : الآية 1 .