القرينة السادسة - ثباته في طريق دعوته
إنّ ثبات المدّعي في طريق دعوته ، آية إيمانه بها ، فإذا رؤي فيه أنّه يضحّي بماله ونفسه وأقربائه وولده في طريق دعوته ، ويقتحم بنفسه المعارك الخطيرة ، ولا يتجنّن بتقديم غيره ، يستكشف من ذلك كونه مؤمنا بدعوته ، صادقا في قوله .
وهذا علي بن أبي طالب يصف حال النبي في غزواته ، ويقول :
« كنّا إذا احمرّ البأس ، اتقينا برسول اللّه ، صلى اللّه عليه وآله وسلم ، فلم يكن أحد منا أقرب إلى العدو منه » « 1 » .
وقد اتّفق أهل المغازي والسير ، على أنّ النبي لم يتراجع في حرب من الحروب ، بل كان صمودا في وجه العدو ، رغم ما كان يرد عليه من الجراحات ، وشيوع اليأس في جيشه .
ويكفي في ذلك السبر في تاريخ حروبه لا سيما في أحد وغزوة حنين . ففي أحد عمّت الهزيمة جيشه ، ولم يثبت معه في المعركة إلّا أشخاص قلائل ، فأخذ يدعو أصحابه وهم ينسحبون من أرض المعركة ، وهو راسخ فيها كالجبل الأشمّ لا تحركه العواصف . يقول سبحانه ، في حكايته لهذه الواقعة :
إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ ، فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ ، وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ
« 2 » .
وأوضح من هذا ، ثباته في مكة ، وقد كان وحيدا في دعوته ، لم يؤمن به حينها إلّا عدّة قليلة يعيشون حالة الخوف والمطاردة ، والطوارئ الشديدة تنزل على النبي ، الواحدة منها تلو الأخرى ، وقد سطّر من تلك الحالات الكثير ، منها :
تعرّض الأراذل له بالشتم ، وإلقاء القذورات عليه ، أو إلقاء عمامته في عنقه وجرّه بها ، وغير ذلك ، وهو صابر محتسب « 3 » . كما كان يتعرض للأذي المستمر من
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ، قسم الحكم ، فصل غريب كلامه ، الرقم 9 .
( 2 ) سورة آل عمران : الآية 153 .
( 3 ) لاحظ السيرة الحلبية ، ج 1 ، ص 293 .