تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
أجل ، إنّ هذه المحاسبة الرياضيّة التي يجريها العقل إذا هو شاهد النظام السائد في الكون ، تدفعه إلى الحكم بأنّ هناك علة عاقلة اختارت هذه الصورة من بين تلك الصور الهائلة بقصد وإرادة ، وجمعت تلك الشرائط اللازمة بهذا الشكل المناسب للحياة « 1 » . وبهذا يبقى برهان النظم قويا صامدا سليما عن أيّ نقد ولا يرتبط بشيء من التمثيل أو التجربة كما تصور « هيوم » ، وإنما هو حكم العقل وحده ينتهي إليه عن طريق ملاحظة نفس ماهية النظام من دون تنظيرها بشيء ، وبهذا يتساوى الموجود الطبيعي والمصنوع البشري . فالعقل إذا رفض الإذعان بأنّ الساعة وجدت بلا صانع أو أنّ السيارة وجدت بلا علة ، فإنما هو لأجل ملاحظة نفس الظاهرة ( الساعة والسيارة ) حيث يرى أنّها تحققت بعد ما لم تكن ، فبحكم من فوره بأنّ لها موجدا . وليس هذا الحكم إلّا لأجل الارتباط المنطقي بين وجود الشيء بعد عدمه ، ولزوم وجود فاعل له ، وإن شئت قلت لأجل قانون العلية والمعلولية الذي يعترف به العقل في جميع المجالات . كما أنّ حكم العقل في المقام بأنّ الموجود المنظم مخلوق عقل كبير ، ناشئ من الارتباط المنطقي بين النظام ودخالة الشعور ، أو استحالة ظهور النظام صدفة للمحاسبة الرياضية التي مرّت ، لا لأنّ العقل مثل أو جرّب فتوصل إلى هذه النتيجة . وحصيلة الكلام : إنّ طبيعة النظام وماهيته في الأشياء التي نراها تنادي بلسان تكوينها أنّها صادرة عن فاعل شاعر وخالق عاقل ، وهذا هو الذي يجعل العقل يذعن بوجود مثل هذا الخالق وراء النظام الكوني ، من دون النّظر إلى شيء آخر « 2 » .
هامش
( 1 ) راجع التقرير الرابع لبرهان النّظم ، فقد أشرنا فيه إلى ما هاهنا مفصّلا . ( 2 ) إنّ الأسئلة المتوجهة إلى برهان النّظم لا تنحصر بما ذكرناه ، وإن كان هو أقواها . وقد ذكر الأستاذ ( دام ظله ) جميع الإشكالات المطروحة حول هذا البرهان وتربو على السبع ، وأجاب عنها في كتاب « اللّه خالق الكون » فمن أراد التوسع فيها فليرجع إلى الصفحات التالية منه : ( 220 إلى 279 ) .