تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
ذلك من الكلمات المأثورة عن كبار المفكرين وأعاظم الفلاسفة والمعنيين بتحليل الظواهر الطبيعية ، فإنك تراهم يعترفون بجهلهم وعجزهم عن الوقوف على أسرار الطبيعة . وهذا هو المخ الكبير في عالم البشرية الشيخ الرئيس يقول : « بلغ علمي إلى حدّ علمت أني لست بعالم » .

تحليل فلسفي آخر للشرور

قد وقفت على التحليل الفلسفي الماضي ، وهناك تحليل فلسفي آخر لمشكلة البلايا والمصائب ولعله أدق من سابقه ، وحاصله : إنّ الشر أمر قياسي ليس له وجود نفسي وإنما يتجلى عند النفس إذا قيس بعض الحوادث إلى بعض آخر ، وإليك بيانه : إنّ القائلين بالثّنوية يقولون إنّ اللّه سبحانه خير محض ، فكيف خلق العقارب السّامة والحيّات القاتلة والحيوانات المفترسة والسباع الضواري . ولكنهم غفلوا عن أنّ اتصاف هذه الظواهر بالشرور اتصاف قياسي وليس باتصاف نفسي ، فالعقرب بما هو ليس فيه أي شر ، وإنما يتصف به إذا قيس إلى الإنسان الذي يتأذّى من لسعته ، فليس للشرّ واقعية في صفحة الوجود ، بل هو أمر انتزاعي تنتقل إليه النفس من حديث المقايسة ، ولولاها لما كان للشرّ مفهوم وحقيقة . وإليك توضيح هذا الجواب . إنّ الصفات على قسمين : منها ما يكون له واقعية كموصوفه ، مثل كون الإنسان موجودا ، أو أنّ كل متر يساوي مائة سنتيمتر . فاتصاف الإنسان بالوجود والمتر بالعدد المذكور ، أمران واقعيان ثابتان للموجود ، توجه إليه الذهن أم لا . حتى لو لم يكن على وجه البسيطة إلّا إنسان واحد أو متر كذلك فالوصفان ثابتان لهما . ومنه ما لا يكون له واقعية إلّا أنّ الإنسان ينتقل إلى ذلك الوصف ، أو بعبارة صحيحة ينتزعه الذهن بالمقايسة ، كالكبر والصغر ، فإنّ الكبر ليس