انصرفت عن المعارضة لعلمهم بأنها غير ممكنة ، على ما دللنا عليه ، ولولا علمهم بذلك لم تكن لتنصرف دواعيهم ، لأنا نجعل انصراف دواعيهم تابعا لمعرفتهم بأنها متعذرة « 1 » .
إذن من المتناقض أن يدعى مدع أن العرب قد انصرفوا ، أي تحولت اهتماماتهم عن المعارضة عجزا ، فإن ذلك يقتضى خروج العرب عن العقل لأنه ( لا يخلو لو انصرفت دواعيهم من أن يكونوا كذلك مع علمهم بأنهم يقدرون على مثله ، أو مع فقد هذا العلم ، ولا يجوز مع كمال عقولهم أن لا يعرفوا ذلك مع كونه قادرين عليه ، وإذا كانوا عالمين بذلك ، فالدواعى قائمة من ذلك مع التقريع المتقدم ومع الحرص على إبطال أمره هو الداعي إلى المعارضة ، وهذا يوجب التناقض بأن يقال إن مع اثبات الداعي لا داعى لهم ، ومع وجود الاهتمام صرفت هممهم ، وهذا يوجب أحد أمرين ، أما تناقض الدواعي وأما خروجهم من حد كمال العقل « 2 » .
ثم يقدم لنا القاضي التعليل الذي يرتضيه وهو « أنهم علموا بالعادات تعذر مثله فصار علمهم صرفا لهم عن المعارضة » « 3 » .
أي أن العقل فكر وجرّب ثم اقتنع بأن قدراته تمنعه من الإتيان بمثل هذا القرآن ، لأن حكاية القرآن في حد ذاتها ليست هي القضية ، وإنما هي في خلق شئ جديد يتساوى مع القرآن في المنزلة والقوة . وأنّى لهم ذلك .
وأهم جوانب إعجاز القرآن عند القاضي أنه معجز لفصاحته ، يقول في التنزيه : « وربما قيل في قوله تعالى
« الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ »
أليس ذلك مخالفا لقوله في المؤمنين حيث قال
« إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ »
وجوابنا : أن الطمأنينة المذكورة هاهنا المراد بها المعرفة وسكون النفس إلى المجازاة مع الوجل والخوف من المعاصي ، فالكلام متفق لأن المؤمن ساكن النفس إلى معرفة اللّه تعالى وإلى المجازاة على الطاعات ، ومع ذلك خائف مما يخشاه من التقصير ووجل القلب فظنّ في مثل ذلك أنه مختلف ، إذ قد نادى على نفسه بقلة
هامش
( 1 ) نفس المصدر - 324 .
( 2 ) نفس المصدر - 325 .
( 3 ) نفس المصدر والصفحة .