معارضته فقط ، أما الطائفة التي قالت إن اعجازه لأنه في أعلى درج البلاغة ، فإنهم شغبوا في ذلك بأن ذكروا آيات منه ، في قوله تعالى
( وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ )
[ البقرة - 179 ] ونحو هذا « 1 » وموّه بعضهم بأن قال : لو كان كما تقولون من أن اللّه تعالى منع معارضته فقط ، لوجب أن يكون أغث ما يمكن أن يكون من الكلام ، فكانت تكون الحجة بذلك أبلغ ، وما نعلم لهم شغبا غير هذين ، وكلاهما لا حجة لهم فيه . . . واستطرد في بيان غثاثة ما ذهبوا إليه « 2 » ثم يقول وإن قالوا : فقولوا أنتم هل القرآن موصوف بأنه في أعلى البلاغة أم لا ؟
قلنا : وباللّه تعالى التوفيق : - إن كنتم تريدون أن اللّه تعالى ، قد بلغ به ما أراد فنعم ، هو في هذا المعنى في الغاية التي لا شئ أبلغ منها ، وإن كنتم تريدون هل هو في أعلى درج البلاغة من كلام المخلوقين فلا ، لأنه ليس من نوع كلام المخلوقين لا من أعلاه ولا من أدناه ولا من أوسطه . وبرهان هذا أن إنسانا لو أدخل في رسالة له أو خطبة أو تأليف أو موعظة حروف الهجاء المقطعة لكان خارجا عن البلاغة المعهودة جملة بلا شك فصح : أنه ليس من نوع بلاغة الناس أصلا ، وان اللّه تعالى منع الخلق من مثله وكساه الاعجاز وسلبه جميع كلام الخلق « 3 » . فالقرآن معجز عند ابن حزم .
أولا : لإخباره بالغيوب .
ثانيا : لنظمه الذي لا يقدر عليه العباد .
ثالثا : لأن اللّه تعالى صرف الناس عن مثله .
وسبق أن رأينا الباقلاني يرى أن القرآن معجز لأنه « لا يقدر العباد عليه » « 4 » .
وأخيرا يرى أبو زهرة أن ابن حزم « مجتهد مطلق ، فما هو بمنتم لمذهب حتى
هامش
( 1 ) أغلب الظن أنه يشير بذلك إلى الرماني - الذي ذكر في رسالته ( النكت في إعجاز القرآن ص 70 ) قائلا والنوع الثاني من الايجاز - ايجاز القصر وهو بناء الكلام على تقليل اللفظ وتكثير المعنى من غير حذف مثل( وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ ).
( 2 ) ابن حزم - الفصل - 3 / 17 .
( 3 ) ابن حزم - الفصل - 3 / 18 و 19 .
( 4 ) الباقلاني - إعجاز القرآن - 288 .