بعض أصحابنا أن يتحداهم ، بمثل كلامه القديم القائم بنفسه « 1 » . ولكنه يستدرك بأن مذهب الجمهور الأشعري هو ما حكاه وأما الكلام القديم ، فليس هو حروف منظومة ، أو حروف غير منظومة ، أو شئ مؤلف أو غير ذلك « 2 » .
والمعروف أن القرآن ، كلام اللّه غير مخلوق عند الأشاعرة . وهم قد عرفوا كلامه تعالى بأنه ( معنى واحد بسيط قائم بذاته تعالى ، قديم . . . ولا نزاع بين الشيخ والمعتزلة - كما يقول الإيجي - في حدوث الكلام اللفظي ، وإنما نزاعهم في إثبات الكلام النفسي وعدمه ) « 3 » .
وبعد - فقد كانت هذه الوقفات هي أبرز أفكار الباقلاني . والأشاعرة معه - حين عالج الإعجاز ، وقد تتيح لنا أن ندرك أوجه الخلاف بين الفكرين ، ولكن أعتقد أن هذا لن يتسنى لنا إلا بعد أن نستعرض جهود الباقلاني في الجانب البلاغي ثم جهود الجرجاني بعده كلاما وبلاغة أيضا .
وقد أنفق الباقلاني جهدا في سبيل إظهار الجانب الفنى في القرآن ، فبعد أن تكلم عن جانب تضمن القرآن للإخبار عن الغيوب ، وأنه كان معلوما من حال النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، أنه كان أميا لا يكتب ولا يحسن أن يقرأ ، أخذ يعالج الوجه الثالث من وجوم الإعجاز وهو أنه بديع النظم عجيب التأليف ، متناه في البلاغة إلى الحد الذي يعلم عجز الخلق عنه .
وبديع النظم المتضمن لإعجازه ، ينقسم عند الباقلاني إلى وجوه عشرة ، نذكرها كما وردت في كتابه الاعجاز :
أولا : أن القرآن في جملته خارج عن المعهود من نظام جميع كلام العرب ، وترتيبه يختلف عن ترتيبهم ، فليس هو شعرا على اختلاف أنواعه ، ولا موزونا غير مقفى ، ولا معدّلا مسجوعا ، ولا معدلا موزونا غير مسجوع ، ولا مرسلا إرسالا ، ولا هو من باب السجع ولا فيه شئ منه . وليس كذلك من قبيل الشعر ولا مرتبا
هامش
( 1 ) نفس المصدر - 260 .
( 2 ) نفس المصدر - 261 .
( 3 ) الشيخ محمد عبده بين الفلاسفة والمتكلمين - تحقيق الدكتور سليمان دنيا - 2 / 588 ( شرح العقائد العضدية ) .