الباب الأول في مقدمة الأدلة
والأدلة ما أوصلت إلى العلم بالمدلول عليه ، والدليل معلوم بالعقل ، والمدلول عليه معلوم بالدليل ، فيكون العقل موصلا إلى الدليل ، وليس بدليل ، لأن العقل أصل كل معلوم من دليل ومدلول عليه ، ولذلك سمي أم العلم ، فصار العقل مستدلا وإن لم يكن دليلا ، والعلم الحادث عنه ما تميز به الحق من الباطل ، والصحيح من الفاسد ، والممكن من الممتنع ، وهو على ضربين : علم اضطرار وعلم اكتساب ، فأما علم الاضطرار فهو ما أدرك ببداهة العقول وهو نوعان : حس ظاهر ، وخبر متواتر ، وعلم الحس متأخر عن العقل وعلم الخبر متقدم عليه ، ولا يفتقر علم الاضطرار إلى نظر واستدلال لإدراكه ببديهة العقل ويشترك فيه الخاصة والعامة ولا يتوجه إليه جحد ولا تحسن المطالبة فيه بدليل لأنه غاية لتناهي النظر .
علم الاكتساب
وأما علم الاكتساب فطريقه النظر والاستدلال لأنه غير مدرك ببديهة العقل ، فصحّ أن يتوجه إليه الاعتراض فيه بطلب الدليل عليه ، فلذلك لم يتوصل إليه إلّا بالنظر والاستدلال ، وهو على ضربين : أحدهما ؛ ما كان من قضايا العقول ، والثاني ؛ ما كان من أحكام السمع ، فأما قضايا العقول فضربان : أحدهما ؛ ما علم استدلالا بضرورة العقل ، والثاني ؛ ما علم