تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إظهار الحق — صفحة 288

مساهمون:

ص٢٨٨
« اتفق أني حين كنت بخوارزم ، أخبرت أنه جاء نصراني يدّعي التحقيق والتعمق في مذهبهم . فذهبت إليه ، وشرعنا في الحديث . فقال لي : ما الدليل على نبوّة محمد صلى اللّه عليه وسلم ؟ فقلت له : كما نقل إلينا ظهور الخوارق على يد موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء عليهم السلام ، نقل إلينا ظهور الخوارق على يد محمد صلى اللّه عليه وسلم . فإن رددنا التواتر أو قبلناه لكنّا قلنا أن المعجزة لا تدل على الصدق . فحينئذ بطلت نبوّة سائر الأنبياء عليهم السلام . وإن اعترفنا بصحة التواتر واعترفنا بدلالة المعجزة على الصدق ، ثم أنهما حاصلان في حق محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وجب الاعتراف قطعا بنبوّة محمد عليه السلام ضرورة . إذ عند الاستواء في الدليل لا بدّ من الاستواء في حصول المدلول . فقال النصراني : لا أقول في عيسى عليه السلام أنه كان نبيّا ، بل أقول أنه كان إلها . فقلت له : الكلام في النبوّة لا بدّ وأن يكون مسبوقا بمعرفة الإله ، وهذا الذي تقوله باطل ، ويدل عليه أن الإله عبارة عن موجود واجب الوجود لذاته ، يجب أن لا يكون جسما ولا متحيزا ولا عرضا . وعيسى عبارة عن هذا الشخص البشري الجسماني الذي وجد بعد أن كان معدوما ، وقتل بعد أن كان حيا على قولكم ، وكان طفلا أولا ، ثم صار مترعرعا ، ثم صار شابا ، وكان يأكل ويشرب ويحدث وينام ويستيقظ . وقد تقرر في بداهة العقول أن المحدث لا يكون قديما والمحتاج لا يكون غنيا والممكن لا يكون واجبا والمتغير لا يكون دائما « 1 » . والوجه الثاني : في إبطال هذه المقالة ، أنكم تعترفون بأن اليهود أخذوه وصلبوه وتركوه حيّا على الخشبة وقد مزقوا ضلعه ، وأنه كان يحتال في الهرب منهم وفي الاختفاء عنهم ، وحين عاملوه بتلك المعاملات أظهر الجزع الشديد . فإن كان إلها أو كان الإله حالا فيه أو كان جزءا من الإله حالا فيه ، فلم لم يدفعهم عن نفسه ، ولم لم يهلكهم بالكلية ؟ وأي حاجة به إلى إظهار الجزع منهم والاحتيال في الفرار منهم ؟ وباللّه انني لأتعجب جدا أن العاقل كيف يليق به أن يقول هذا القول ويعتقد صحته فتكاد أن تكون بداهة العقل شاهدة بفساده . والوجه الثالث : وهو أنه إما أن يقال بأن الإله هو هذا الشخص الجسماني المشاهد ، أو يقال حلّ الإله بكليته ، أو حلّ بعض الإله وجزء منه فيه . والأقسام الثلاثة باطلة . أما الأول فلأن إله العالم ، لو كان هو الجسم ، فحين قتله اليهود ، كان ذلك قولا بأن اليهود قتلوا إله العالم . فكيف بقي العالم بعد ذلك من غير إله ؟ ثم أن أشدّ الناس ذلا ودناءة اليهود ، فالإله الذي تقتله اليهود إله في غاية العجز . وأما الثاني ، وهو أن الإله بكليته حلّ في هذا الجسم ، فهو أيضا فاسد . لأن الإله ، إن لم يكن جسما ولا عرضا ، امتنع حلوله في الجسم ، وإن كان جسما فحينئذ يكون حلوله في جسم آخر عبارة عن اختلاط أجزائه بأجزاء ذلك الجسم ، وذلك يوجب وقوع التفرق في أجزاء ذلك الإله ، وإن كان عرضا كان محتاجا إلى المحل ، وكان الإله محتاجا إلى غيره وكل ذلك
هامش
( 1 ) يتابع المؤلف تفصيل الأمر الأول في كون القرآن معجزا في البلاغة . . .
إظهار الحق — صفحة 288 | رحمة الله بن خليل الرحمن الهندي