تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
على تسميته مؤمنا من حيث اللغة أنه مصدق على التحقيق . وآية ذلك في الشرع أن الأحكام الشرعية ، المقيدة بخطاب المؤمنين ، تتوجه على الفسقة توجّهها على الأتقياء إجماعا ، والفاسق يجري مجرى المؤمن في أحكامه ؛ فيسهم له من المغنم ، ويصرف إليه سهم المصالح ، ويذبّ عنه ، ويدفن في مقابر المسلمين ، ويصلى عليه ، وكل ذلك يقطع بكونه منهم . ثم إن لم يبعد تسميته عارفا باللَّه تعالى مطيعا له بطاعاته مصدقا إياه ، فلا بعد في تسميته مؤمنا ، ويبعد جدا أن يقال : هذا عارف باللَّه غير مؤمن به . والكلام في هذا الفصل يتعلق بالتسميات ، ولبابه الوعيد والخلود ، وقد سبق ما فيه مقنع . وقد يشهد لما ذكرناه إجماع العلماء على افتقار الصلوات ونحوها من العبادات ، إلى تقديم الإيمان ، فلو كانت أجزاء من الإيمان لامتنع إطلاق ذلك ، فإن استدل من سمى الطاعات إيمانا بقوله تعالى :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ
[ سورة البقرة : 143 ] ؛ قالوا : المراد بذلك ، أي بالإيمان الصلوات المؤداة إلى بيت المقدس . وربما يستدلون بما روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « الإيمان بضع وتسعون خصلة ، أولها شهادة لا إله إلا اللّه ، وآخرها إماطة الأذى عن الطريق » « 1 » . قلنا : أما الإيمان في الآية التي استروحتم إليها ، فهو محمول على التصديق ، والمراد : وما كان اللّه ليضيع تصديقكم نبيكم فيما بلغكم من الصلاة إلى القبلتين وأما الحديث ، فهو من الآحاد ، ثم هو مؤول ؛ والعرب تسمي الشيء باسم الشيء إذا دل عليه ، أو كان منه بسبب .

فصل

فإن قيل : فما قولكم في زيادة الإيمان ونقصانه ؟ قلنا : إذا حملنا الإيمان على التصديق ، فلا يفضل تصديق تصديقا ، كما لا يفضل علم علما ؛ ومن حمله على الطاعة سرا وعلنا ؛ وقد مال إليه القلانسي « 2 » ، فلا يبعد على ذلك إطلاق القول بأن الإيمان يزيد بالطاعة ، وينقص بالمعصية ، وهذا مما لا نؤثره . فإن قيل : أصلكم يلزمكم أن يكون إيمان منهمك في فسقه ؛ كإيمان النبي صلى اللّه عليه وسلّم . قلنا : النبي عليه الصلاة والسلام يفضل من عداه باستمرار تصديقه ، وعصمة اللّه إياه من
هامش
( 1 ) رواه مسلم في كتاب الإيمان حديث 58 . أبو داود في كتاب السنة باب 14 . الترمذي في كتاب الإيمان حديث 6 . ابن ماجة في كتاب المقدمة باب 9 . أحمد في مسنده ( 2 / 379 ، 445 ) . ( 2 ) أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن خالد القلانسي ، توفي في الثلث الأول من القرن الرابع ، أي في حدود سنة 335 ه . انظر التبيين لابن عساكر ص 398 أصل وهامش .
الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد — صفحة 159 | عبد الملك الجويني