تعداه . وذهب ذاهبون منهم إلى أن الرب كلف الأرواح في ابتداء الفطرة ما لا مشقة فيه ، ثم خالف من خالف ووفى من وفى .
والغلاة من التناسخية « 1 » أنكروا الحشر والآخرة ، وقالوا : لا مزيد على تقلب الأرواح في الأجساد ، على حكم العقاب ، أو على حكم الثواب .
وأما المعتزلة فقد قالوا ، لما سئلوا عن الآلام الحالة بالأطفال والبهائم ، الآلام تحسن لأوجه :
منها أن تكون مستحقة على سوابق ، ومنها أن يجتلب بها نفع موف عليها برتبة بينة ، ومنها أن يقضي بها دفع ضرر أهم منها . وصاروا إلى أن آلام البهائم إنما حسنت ، لأن الرب سيعوضها عليها في دار الثواب ما يربى ويزيد على ما نالها من الآلام . ثم صار معظمهم إلى أن العوض الملتزم على الآلام ، أحط رتبة من الثواب الملتزم على التكليف . واختلفوا في أن العوض هل يدوم دوام الثواب أم لا ؟
واضطربت أجوبتهم في أنه هل يتصور التفضل بمثل الأعواض ابتداء ؟ فصار بعضهم إلى أن ذلك ممتنع ، كما يمتنع التفضل بمثل ثواب التكليف . إذ ذاك مجمع على امتناعه ، وصار من انتمى إلى التحصيل منهم إلى أن التفضل بأقدار الأعواض ممكن غير ممتنع . فمن قال بامتناع التفضل بأمثال الأعواض ، جوز وقوع الآلام للتعويض المجرد ؛ ومن جوز التفضل بأمثال الأعواض ، لم تحسن الآلام عنده لمحض التعويض ، بل قال إنما يحسن بوجهين لا بد من اقترانهما : أحدهما التزام التعويض ، والثاني اعتبار غير المؤلم بتلك الآلام ، وكونها ألطافا في زجر الغاوي عن غوايته .
وذهب عبّاد « 2 » الصيمري إلى أن الآلام تحسن بمحض الاعتبار من غير تقدير تعويض عليها .
فهذه أصول المعتزلة في إيلام البهائم والأطفال . ثم من تمام أصلهم أن ما يحسن الألم لأجله لو علم ، فإنه يحسن إذا اعتقد ، أو غلب على الظن ما يحسن الآلام لأجله في عادات الناس قالوا :
وكذلك يحسن في عادات الناس العقلاء التزام المشقات ، لتوقع منافع زائدة عليها وإن كانت عواقبها منطوية عن العباد ، وعلام الغيوب المستأثر بعلمها .
فصل
فأما الثنوية ، فما قالوه من كون الألم ظلما قبيحا لعينه ، باطل لا خفاء ببطلانه . فإنه نعلم أن المريض إذا شرب دواء بشيعا ، كريه المشرب ، وقصد بذلك درء الأمراض عن نفسه ، فلا يعد ذلك
هامش
( 1 ) هم القائلون بقدم العالم ويتناسخ الأرواح في الصور المختلفة ، وأجازوا أن ينقل روح إنسان إلى كلب ، وروح كلب إلى إنسان . منهم من كان قبل الإسلام ومنهم ظهر في دولة الإسلام . انظر الفرق بين الفرق .
( 2 ) هو عباد بن سليمان ، من الطبقة السابقة من المعتزلة ، كان يمتنع من اطلاق القول بأن اللّه تعالى خلق الكافر لأن الكافر كفر ، وإنسان ، واللّه تعالى لا يخلق الكفر وقال : النبوة جزاء على عمل وأنها باقية ما بقيت الدنيا . انظر الملل والنحل في الفرقة الهشامية .