ليتني كنت تبنة وليتني كنت طائرا . كلهم قد شغلهم خوف العاقبة عن الكبر مع عظم علمهم وعملهم . فكيف يتكبرون بنسبهم إلى من هو عاطل عن خصالهم !
السبب الرابع الكبر بالمال والجمال والأتباع :
والكبر بهم جهل ، فإنها أمور خارجة عن الذات ، أعني المال والأتباع . وكيف يتكبر بخصلة تمتد إليها يد السارق والغاصب ! وكيف يفتخر بالجمال وحمّى شهر تفسده والجدريّ يزيله ! ولو تفكر الجميل في أقذار باطنه لأدهشه ذلك عن تزويق ظاهره ، ولو لم يتعهد الجميل بدنه أسبوعا بالغسل والتنظيف لصار أقذر من الجيفة ، من تغيّر النكهة والصّنان « 1 » ورائحة العذرة ، وكراهية الوسخ والمخاط والرّمص « 2 » . فمن أين للمزبلة أن تفتخر بجمالها ! والإنسان بالحقيقة مزبلة ، فإنه منبع الأقذار والنجاسات .
الأصل التاسع العجب :
قال اللّه تعالى :
وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ
[ التوبة : 25 ] الآية . وقال عز وجل :
وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً
[ الكهف : 104 ] ، وقال :
فَلا
« 3 »
تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى
[ النجم : 32 ] . وقال - عليه السلام - : « ثلاث مهلكات :
شحّ مطاع ، وهوى متبع ، وإعجاب المرء بنفسه » . وقال ابن مسعود - رضي اللّه عنه - :
« الهلاك في اثنين : القنوط والعجب » . وإنما جمع بينهما لأن القانط لا يطلب السعادة لقنوطه ، والمعجب لا يطلبها لظنه أنه قد ظفر بها . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أعظم من ذلك ، العجب العجب » . وقيل لعائشة - رضي اللّه عنها - : متى يكون الرجل مسيئا ؟ فقالت : « إذا ظن أنه محسن » .
ونظر رجل إلى بشر بن منصور وهو يطيل الصلاة ويحسن العبادة ، فلما فرغ قال : « لا يغرّنك ما رأيت مني ، فإن إبليس عبد اللّه تعالى وصلّى آلاف السنين ، ثم صار إلى ما صار إليه » .
هامش
( 1 ) الصنان : الرائحة الكريهة مصدرها البدن .
( 2 ) الرمص : الوسخ الأبيض يكون في مجرى الدمع من العينين .
( 3 ) في الأصل « ولا » وما أثبتناه من سورة النجم الآية 32 .