الموت فهو من دنياك ؛ إلا العلم والمعرفة والحرية . وما يبقى معك بعد الموت فإنها أيضا لذيذة عند أهل البصائر ، ولكنها ليست من الدنيا وإن كانت في الدنيا . ولهذه الحظوظ الدنيوية تعاون وتعلق بما فيه الحظ ، وتعلق بأعمالك المتعلقة بإصلاحها ، فهي ترجع إلى أعيان موجودة ، وإلى حظك فيها ، وإلى شغلك في إصلاحها .
أما الأعيان ، فهي الأرض وما عليها ؛ قال اللّه تعالى :
إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها
[ الكهف : 7 ] الآية ، ومطلوب الآدمي من الأرض . أما عينها فللمسكن والمحرث . وأما نباتها فللتداوي والاقتيات . وأما معادنها فللنقود والأواني والآلات . وأما حيواناتها فللمركب والمأكل . وأما الآدميون منها فللمنكح والاستحسان . وقد جمع اللّه سبحانه ذلك في قوله :
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ
[ آل عمران : 14 ] الآية . وأما حظك منها ، فقد عبر القرآن الكريم عنه بالهوى فقال اللّه تعالى :
وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى
[ النازعات : 40 ] وقال تعالى تفصيلا له :
أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ
[ الحديد : 20 ] الآية . وذلك يندرج فيه جميع المهلكات الباطنة من الغلّ والكبر والحسد والرياء والنفاق والتفاخر والتكاثر وحب الدنيا وحب الثناء ، وهي الدنيا الباطنة .
وأما الأعيان ، فهي الدنيا الظاهرة ، وأما شغلك في إصلاحها ، فهي جملة الحرف والصناعات التي الخلق مشغولون بها ، وقد نسوا فيها أنفسهم ومبدأهم ومعادهم ، لاستغراقهم بإشغالهم بها ، وإنما شاغلهم العلاقتان : علاقة القلب بحب حظوظها ، وعلاقة البدن بشغل إصلاحها .
فهذه هي حقيقة الدنيا التي حبها رأس كل خطيئة . وإنما خلقت للتزود منها إلى الآخرة ؛ ولكن كثرة أشغالها وفنون شهواتها أنست الحمقى سفرهم ومقصدهم ، فقصروا عليها همتهم ، فكانوا كالحاج في البداية ، يشتغل بتعهد الناقة وعلفها وتسمينها ، فيتخلف عن الرفقة حتى يفوته الحج ، وتهلكه سباع البادية .
[ فصل في ان هذه الدنيا المذمومة هي بعينها مزرعة الآخرة ]
هذه الدنيا المذمومة المهلكة ، هي بعينها مزرعة الآخرة في حق من عرفها ، إذ