نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا
[ الحشر : 7 ] . فعليك أن تلبس السراويل قاعدا ، وتتعمم قائما ، وتبتدئ باليمين في تنعلك ، وتأكل بيمينك ، وتقلّم أظفارك وتبتدئ بمسبّحة « 1 » اليد اليمنى وتختم بإبهامها ، وفي الرجل تبتدئ بخنصر اليمنى وتختم بخنصر اليسرى ، وكذلك في جميع حركاتك وسكناتك ؛ فقد كان محمد بن أسلم لا يأكل البطيخ ، لأنه لم ينقل إليه كيفية أكل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم له ، وسها بعضهم فابتدأ في لبس الخف باليسرى ، فكفّر عن ذلك بكرّ « 2 » حنطة . فلا ينبغي أن تتساهل في أمثال ذلك فتقول : هذا مما يتعلق بالعادات ، فلا معنى للاتباع فيه ؛ لأن ذلك يغلق عليك بابا عظيما من أبواب السعادة .
[ فصل السبب المرغّب في الاتباع في هذه الأفعال ]
لعلك تشتهي الآن الوقوف على السبب المرغّب في الاتباع في هذه الأفعال ، وتستبعد أن يكون تحت ذلك أمر مهم يقتضي هذا التشديد العظيم في المخالفة . فاعلم أن ذكر السر في آحاد تلك السّنن طويل لا يحتمل هذا الكتاب شرحه . لكن ينبغي أن تفهم أن ذلك ينحصر في ثلاثة أنواع من الأسرار :
السرّ الأول : أنّا قد نبّهناك في مواضع على العلاقة التي بين الملك والملكوت ، وبين الجوارح والقلب ، وكيفية تأثر القلب بعمل الجوارح ، فإن القلب كالمرآة ، ولا تتجلى فيه حقائق الأشياء إلا بتصقيله وتنويره وتعديله . أما تصقيله ، فبإزالة خبث الشهوات وكدورة الأخلاق الذميمة . وأما تنويره فبأنوار الذكر والمعرفة ، ويعين على ذلك العبادة الخالصة إذا أدّيت على كمال الخدمة بمقتضى السّنّة . وأما تعديله ، فبأن يجري في جميع حركات الجوارح على قانون العدل ، إذ اليد لا تصل إلى القلب حتى تقصد بتعديله وتحدث فيه هيئة معتدلة صحيحة لا اعوجاج فيها ، وإنما التصرف في القلب بواسطة تعديل الجوارح وتعديل حركاتها ، ولهذا كانت الدنيا مزرعة الآخرة .
ولهذا تعظم حسرة من مات قبل التعديل ، لانسداد طريق التعديل بالموت ، إذ تنقطع علاقة القلب عن الجوارح ؛ فمهما كانت حركات الجوارح ، بل حركات الخواطر أيضا موزونة بميزان العدل ، حدث في القلب هيئة عادلة مستوية ، تستعد لقبول الحقائق على
هامش
( 1 ) المسبحة : السبّابة .
( 2 ) الكرّ : نوع من المكاييل يساوي نحو أربعين اردبّا .