سباع البوادي ، عقارب القبر وديدانه ، ومن انفرادك عن أهلك وأقاربك ، وحشة القبر ووحدته ، ومن التلبية ، إجابة داعي اللّه عز وجل عند البعث ، وكذلك في سائر الأعمال ، فإن في كل عمل سرّا وتحته رمزا ، يتنبه له كل عبد بقدر استعداده للتنبه ، بصفاء قلبه ، وقصور همه على مهمات الدين .
الأصل الخامس في قراءة القرآن :
قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أفضل عبادة أمتي قراءة القرآن » . وقال عليه السلام : « لو كان القرآن في إهاب « 1 » ما مسّته النار » . وقال عليه السلام : « ما من شفيع أفضل منزلة عند اللّه يوم القيامة من القرآن . لا نبيّ ولا ملك ولا غيره » . وقال عليه السلام : « يقول اللّه سبحانه : من شغله قراءة القرآن عن دعائي ومسألتي أعطيته أفضل ثواب الشاكرين » .
واعلم أن لقراءة القرآن آدابا ظاهرة وأسرارا باطنة ،
أما الآداب الظاهرة فثلاثة :
الأول : أن تقرأه باحترام وتعظيم ، ولن تلزم الحرمة قلبك ما لم تلزم هيئة الحرمة ظاهرك ، وقد عرفت كيفية علاقة القلب بالجوارح ووجه ارتفاع الأنوار منها إليه . وهيئة الحرمة أن تجلس وأنت على الطهارة ساكنا مطرقا مستقبل القبلة غير متكئ ولا متربع ولا نائم ، كما تجلس بين يدي المقرئ ، وتقرأه بترتيل وتفخيم وتؤدة « 2 » حرفا حرفا من غير هذرمة « 3 » . قال ابن عباس - رضي اللّه عنه - : « لأن أقرأ « إذا زلزلت » و « القارعة » أتدبّرهما ا أحب إلي من أن أقرأ « البقرة » و « آل عمران » تهذيرا » .
الثاني : أن تتشوف في بعض الأوقات إلى أقصى درجات الفضل فيه ، وذلك بأن تقرأه في الصلاة قائما ، خصوصا في المسجد ، وبالليل ، لأن القلب في الليل أصفى لأنه أفرغ . فإنك وان خلوت بالنهار فتردّد الخلق وحركاتهم في أشغالهم ، تحرّك باطنك ، وتشغلك ، خصوصا وإن كنت تتوقع أن تطلب شغلا من الأعمال والأشغال . وكيفما قرأته ، ولو مضطجعا من غير طهارة ، فلا تخلو عن الفضل ، فإن اللّه تعالى أثنى على الجميع ، وقال :
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ
[ آل عمران : 191 ] .
هامش
( 1 ) الإهاب : الجلد وخاصة ما لم يدبغ منه .
( 2 ) تؤدة : تمهل .
( 3 ) الهذرمة : الإسراع في قراءة القرآن دون تدبر لمعانيه .