في ماله أو ولده ، ثم استقبل ذلك بصبر جميل ، استحييت منه يوم القيامة أن أنصب له ميزانا ، أو أنشر له ديوانا » . وقال عليه السلام : « انتظار الفرج بالصبر عبادة » . وقال عليه السلام : « من إجلال اللّه تعالى ومعرفة حقه أن لا تشكو وجعك ، ولا تذكر مصيبتك » .
فقد عرفت أنك لا تستغني عن الصبر في جميع أوقاتك ، وبه يظهر أنه شطر الإيمان ؛ وشطره الآخر فيما يتعلق بالأعمال وهو الشكر ، فقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « الإيمان نصفان : نصف صبر ، ونصف شكر » . وهذا باعتبار النظر إلى الأعمال والتعبير بالإيمان عنها .
الأصل الخامس الشكر :
وقد قال اللّه تعالى :
وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ
[ سبأ : 13 ] وقال :
لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
[ إبراهيم : 7 ] ، وقال :
وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ
[ البقرة : 152 ] ، وقال :
وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ
[ آل عمران : 144 ] ، وقال :
ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ
[ النساء : 147 ] . وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « للطاعم الشاكر منزلة الصائم الصابر عند اللّه » . وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يبكي في تهجده ، فقالت عائشة - رضي اللّه عنها - وما يبكيك ؟ وقد غفر اللّه لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر . فقال - عليه السلام - : « أفلا أكون عبدا شكورا ؟ » ، وقال : « ينادى يوم القيامة ليقم الحامدون ، فيقوم زمرة فينصب لهم لواء فيدخلون الجنّة » ، فقيل ومن الحامدون ؟ قال : « الذين يشكرون اللّه على كل حال » . وقال : « الحمد رداء الرحمن » .
[ فصل في مقام الشكر ]
اعلم أن الشكر من المقامات العالية ، وهو أعلى من الصبر والخوف والزهد وجميع المقامات التي سبق ذكرها ، لأنها ليست مقصودة في أنفسها ، وإنما تراد لغيرها .
فالصبر يراد منه قهر الهوى ، والخوف سوط يسوق الخائف إلى المقامات المقصودة المحمودة ، والزهد هرب من العلائق الشاغلة عن اللّه تعالى ، وأما الشكر فمقصود في نفسه ولذلك لا ينقطع في الجنة ، وليس فيها توبة ولا خوف ولا صبر ولا زهد . والشكر دائم في الجنة ، ولذلك قال اللّه تعالى :
وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
[ يونس : 10 ] . وتعرف ذلك بأن تعرف حقيقة الشكر ، وأنه ينتظم من علم وحال وعمل :
أما العلم ، فالعلم بالنعمة والمنعم ، بأن النّعم كلها من اللّه تعالى ، وهو المنفرد بجميعها . والوسائط كلّهم مسخرون مقهورون . وهذه المعرفة وراء التقديس والتوحيد ،