تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣
القرآني ، إذ رفع الآية الناسخة لحكم الآية المنسوخة لا يلغي كل الخصوصيات المتعلقة بالمنسوخ . فالنسخ لا يوجب زوال نفس الآية من الوجود وبطلان تحققها ، وبالنسخ يزول أثر الشيء من تكليف أو غيره مع بقاء أصله ، فالآية المنسوخة ربما كانت ذات جهة واحدة ، وربما كانت ذات جهات كثيرة ، ونسخها وإزالتها كما يتصور بجهته الواحدة كإهلاكها كذلك يتصور ببعض جهاتها دون بعض إذا كانت ذات جهات كثيرة ، فالآية من القرآن تنسخ من حيث حكمها الشرعي وتبقى من حيث بلاغتها وإعجازها ونحو ذلك . « فالناسخ ينافي المنسوخ بحسب صورته ، وإنما يرتفع التناقض بينهما من جهة اشتمال كليهما على المصلحة المشتركة ، فإذا توفى نبي وبعث نبي آخر وهما آيتان من آيات اللّه تعالى أحدهما ناسخ للآخر ، كان ذلك جريانا على ما يقتضيه ناموس الطبيعة من الحياة والموت والرزق والأجل وما يقتضيه اختلاف مصالح العباد بحسب اختلاف الأعصار وتكامل الأفراد من الإنسان ، وإذا نسخ حكم ديني بحكم ديني كان الجميع مشتملا على مصلحة الدين وكل من الحكمين أطبق على مصلحة الوقت ، أصلح لحال المؤمنين كحكم العفو في أول الدعوة وليس للمسلمين بعد عدة ولا عدة ، وحكم الجهاد بعد ذلك حينما قوي الإسلام ، وأعد فيهم ما استطاعوا من قوة وركز الرعب في قلوب الكفار والمشركين ، والآيات المنسوخة مع ذلك لا تخلو من إيماء وتلويح إلى النسخ كما في قوله تعالى :
فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ
« 1 » المنسوخ بآية القتال ، وقوله تعالى :
فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا
« 2 » المنسوخ بآية الجلد فقوله : حتى يأتي اللّه بأمره ، وقوله :
أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا
لا يخلو عن
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 109 . ( 2 ) سورة النساء : 15 .