تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد — صفحة 25

مساهمون:

ص٢٥
إصلاحية آخذة إلى التقدم وتريد الخير لأتباعها إلّا ويتوارد على تشريعاتها نسخ متتابع ، حسب تدرجها التصاعدي نحو قمة الكمال ، تلك طبيعة محتمة لكل حركة إصلاحية أو نظام يبتغي الرفاه الاقتصادي والاجتماعي والتربوي والسياسي وغير ذلك ، فكيف إذا كانت تلك الحركة أو ذاك النظام هو خاتم الحركات الإصلاحية في العالم ، ودساتيره أشمل الدساتير المتقدمة عليه ، أعني الإسلام حيث استوعب بقوانينه ودساتيره وأحكامه كل الأزمنة ، وراعى كل الظروف والأمكنة ، وغيّر كثيرا من المفاهيم المعوجّة التي تأصلت في واقع المجتمع الجاهلي آنذاك ، وكانت عملية التغيير لتلك الأمة المتوغلة في الضلال ، والبعيدة عن معالم الحضارة إلى حدّ كبير ، تستلزم التدرج في إصدار الأحكام ليتم انتشالها من واقعها السحيق والانسجام مع سجيتها المتوحشة ، إلى واقع جديد سهل سمح ، يتعامل بمرونة مع الآخرين ويتأقلم مع مجتمعات ليست من سنخه وعلى منواله . وطبيعة التدرّج بالأحكام تستلزم أيضا طي عقبات ومراحل متلاحقة ، بحيث يشمل هذا الطي إلغاء بعض العادات والأحكام التي كانت سائدة في عصر ما قبل الإسلام ، أسوة بمن تقدم من الشرائع السابقة على الإسلام ، حيث جرت الطريقة الإلهية أن تلغي الشريعة اللاحقة بعض أحكام كانت سائدة في الشريعة السابقة لمصالح اقتضت الظروف إيجادها . وهكذا استدعت التشريعات الإسلامية نسخا متتاليا منذ أن ظهرت الدعوة في مكة ، وحتى إلى ما بعد الهجرة إلى المدينة ، وقد انتهت شريعة النسخ بوفاة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حيث انقطاع الوحي . وكانت ظاهرة النسخ أمرا لا بد منه في كل تشريع يحاول تركيز معالمه في الأعماق ، والأخذ بيد أمة جاهلة إلى مستوى عال من الحضارة الراقية ، الأمر الذي لا يتناسب مع الطفرة المستحيلة ، لولا الأناة والسير التدريجي المستمر خطوة بعد خطوة .