فإن قيل : لو جوزنا تطرق النسيان إلى الأنبياء في أقوالهم ، وأفعالهم ؛ لأفضى ذلك إلى اللبس في مواقع الشرع ، وتعيين الأحكام وهو مخل بمقصود البعثة وذلك محال عقلا .
وإن سلمنا الجواز العقلي : غير أن ذلك ممتنع سمعا ويدل عليه قوله - عليه السلام - « أما أنى لا أنسى ولكني أنسّى لأشرّع » . وعلى هذا فيجب حمل النسيان في قصة ذي اليدين على التشبيه بالناسي ليشرع .
وأما القصة الأخرى فلا نسلم أن المسموع كان صوت النبي - عليه السلام - بل المسموع كان صوت الشيطان مشبها بصوته إذ الإجماع منعقد على امتناع صدور كلمة الشرك من النبي - عليه السلام - ويدل على ذلك قوله تعالى
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ
« 1 » ومعناه إذا تلى ألقى الشيطان في تلاوته . وإن سلمنا أن المسموع كان صوت النبي - صلى اللّه عليه وسلم - لكن يجب حمله على التشبه بالناسي للتشريع .
وما ذكرتموه من النصوص فيجب أيضا حملها على التشبه بالناسي لما ذكرناه من الخبر .
وإن سلم دلالتها على حقيقة النسيان . فلا نسلّم عمومها بالنسبة إلى النسيان في المعاصي ؛ بل هي مطلقة في النسيان ، وكما أمكن حملها على نسيان المعاصي ، أمكن الحمل على النسيان في المباحات ، وليس أحد الأمرين أولى من الآخر ، بل الحمل على النسيان في المباحات أولى ؛ إذ لا محذور فيه .
قلنا : لا نسلم أنّ القول بتطرق النسيان إلى الأنبياء فيما يتعلق بالرسالة يفضى إلى اللّبس في مواقع الشرع ، فإنه وإن تصور منه فعل ما لا يجوز ، أو ترك ما يجب ناسيا ، فذلك مما يمكن استدراكه ، ومعرفة وقوعه سهوا ؛ إذ هو غير واجب الدوام . وقرائن الأحوال مع صريح المقال مميزة بين البابين . وما ذكروه من الحديث ؛ فغير صحيح في متنه وإلا كان النبي - صلى اللّه عليه وسلم - متعمدا ترك ما يجب وفعل ما يحرم تشبها بالناسي لقصد التشريع .
هامش
( 1 ) سورة الحج 22 / 52 .