تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أبكار الأفكار في أصول الدين — صفحة 376

مساهمون:

ص٣٧٦
قولهم : يلزم أن يكون العادل من فعل مأمورا به : لا نسلم لزوم ذلك على مقتضى ما ذكرناه ، ومرتكب الفواحش قبل « 1 » ورود الشرع : وإن سمى ظالما ، وامتنع « 1 » كونه مرتكبا للمنهى شرعا - فما امتنع كونه مرتكبا المنهى « 2 » عقلا . ونحن فلم نخصص النهى بالشرع ، ليرد علينا ما ذكروه . فإن قيل : فالعرب قد تسمى الحية ظالمة : وإن لم تكن مرتكبه منهيا عقلا ، ولا شرعا . ولهذا تقول العرب : فلان أظلم من حية ؛ بل قد تسمى الجمادات بذلك كما في قولهم : ظلم السهم وجار : إذا مال عن سننه ، وظلم السقا : إذا منع الزبد ، ولم يخرجه بالمخض . وظلمت السماء : إذا حبست قطرها في أوانه ، ومطرت في غير أوان المطر . وقد قال الله - تعالى -
كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً
« 3 » ، أي آتت بثمرها من غير نقص . قلنا : ما ذكرتموه : إما أن يكون مع الاعتراف منكم بجواز صدور الظّلم من الجمادات ، والحيوانات العجماوات ، أو لا مع الاعتراف به . فإن كان الأول : فإما أن يكون السبب في تسميتها ظالمة صدور الظلم منها ، أو غير ذلك . فإن كان السبب هو صدور الظلم منها ؛ فيلزمكم أن يسمى الأسد المفترس الضاري ظالما ، والحمل الهائج المؤذى ظالما ، والطفل الّذي لا تمييز له - إذا صدر منه الأذى - ظالما ؛ وهو محال غير سائغ في اللغة . وإن كان الثاني : فقد بطل قولكم : إن الظالم من فعل الظلم ، وكذلك يبطل إن قلتم إن الظلم غير صادر منها . قولهم : يمتنع أن يسمى ظالما ؛ لكونه فعل ما ليس له ؛ فجوابه ما سبق أيضا في الوجه الأول .
هامش
( 1 ) في ب ( أن سمى قبل ورود الشرع ظالما ولا مقنع ) . ( 2 ) في ب ( النهى ) . ( 3 ) سورة الكهف 18 / 33 .