الوجه الخامس : أنا نجد من أنفسنا اشتهاء / كوننا مدركين لبعض المدركات :
كسماع الأصوات اللذيذة ، وشم الرائحة الطيبة ، إلى غير ذلك ، ولو كانت المدركية : هي انتفاء الآفات عن الحي ، فإذا كان المشتهى حيا لا آفة به ؛ فذلك مما لا تتعلق به الشهوة لحصوله ؛ فإن الشهوة إنما تتعلق بحصول ما ليس بحاصل .
السادس : أنا قد نجد من أنفسنا كراهية الرؤية ، لبعض الأشياء وسماع بعض الأصوات .
وبالجملة : نكره كوننا مدركين لكثير من الأشياء ، والحياة ، ونفى الآفات لا تكره ؛ والمكروه غير ما ليس بمكروه .
السابع : أنه لو قيل لابن الجبائي على قياس مذهبه : ما المانع من أن يكون العالم : هو الحي الّذي لا آفة به ؟ ، وكذلك في القادر ، والمريد ، ونحوه ؛ لم يجد إلى الفرق سبيلا .
قولهم : لا نسلم خروجه عن كونه عالما بالمسموعات ، والمبصرات .
قلنا : دليل خروجه عن ذلك من خمسة أوجه :
الأول : هو أنا إذا علمنا الشيء بطريق من الطرق ، ثم رأيناه فإنا نجد تفرقة ضرورية بين الحالتين ، وليس ما نجده من الحالة الثانية - وهو الرؤية - عائدا إلى كوننا قادرين ، ولا مريدين ، ولا متكلمين ؛ ضرورة ، ولا إلى الحياة ، ونفى الآفات . كما تقدم ؛ فبقى أن يكون قسما آخر ؛ وهو المعنى بالمدركية .
فإن قيل : ما المانع أن تكون التفرقة عائدة إلى الجملة ، والتفصيل ، والإطلاق ، والتقييد في الشيء المعلوم ؟ ، بأن نكون عالمين بالشيء جملة ، أو على وجه مطلق ؛ فإذا رأيناه علمناه مفصلا ، أو مقيدا ؛ وذلك لا يوجب خروجه عن العالمية .
سلمنا خروجه عن العالمية ؛ ولكن ما المانع من عود التفرقة إلى تأثير الحاسة من الشيء المحسوس ؟ ؛ فإن الحواس قابلة للانفصال عن المحسوس ؛ وذلك كما نجده من تأثير العين الباصرة عند التحدق إلى جرم الشمس ، والصدمة الداخلة في الأذن عند
أبكار الأفكار في أصول الدين — صفحة 419
مساهمون: سيف الدين الآمدي
ص٤١٩