تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاقتصاد في الاعتقاد — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
والإجماع ، وقالوا هذه الصفات قد ورد الشرع بها ، إذ دل الشرع على العلم وفهم منه الواحد لا محالة والزائد على الواحد لم يرد فلا يعتقده ، وهذا لا يكاد يشفي فإنه قد ورد بالأمر والنهي والخبر والتوراة والإنجيل والقرآن فما المانع من أن يقال : الأمر غير النهي والقرآن غير التوراة وقد ورد بأنه تعالى يعلم السر والعلانية والظاهر والباطن والرطب واليابس وهلم جرا إلى ما يشتمل القرآن عليه . . فلعل الجواب ما نشير إلى مطلع تحقيقه وهو أن كل فريق من العقلاء مضطر إلى أن يعترف بأن الدليل قد دل على أمر زائد على وجود ذات الصانع سبحانه ، وهو الذي يعبر عنه بأنه عالم وقادر وغيره ، والاحتمالات فيه ثلاثة : طرفان وواسطة ، والاقتصاد أقرب إلى السداد ، أما الطرفان فأحدهما في التفريط وهو الاقتصار على ذات واحدة تؤدي جميع هذه المعاني وتنوب عنها كما قالت الفلاسفة ، والثاني طرف الإفراط وهو إثبات صفة لا نهاية لآحادها من العلوم والكلام والقدرة ، وذلك بحسب عدد متعلقات هذه الصفات ؛ وهذا إسراف لا صائر إليه إلا بعض المعتزلة وبعض الكرامية ، والرأي الثالث هو القصد والوسط ، وهو أن يقال : المختلفات لاختلافها درجات في التقارب والتباعد ؛ فرب شيئين مختلفين بذاتيهما كاختلاف الحركة والسكون واختلاف القدرة والعلم والجوهر والعرض ، ورب شيئين يدخلان تحت حد وحقيقة واحدة ولا يختلفان لذاتيهما وإنما يكون الاختلاف فيهما من جهة تغاير التعلق ؛ فليس الاختلاف بين القدرة والعلم كالاختلاف بين العلم بسواد والعلم بسواد آخر أو بياض آخر ، ولذلك إذ حددت العلم تجد دخل فيه العلم بالمعلومات كلها ، فنقول : الاقتصاد في الاعتقاد أن يقال : كل اختلاف يرجع إلى تباين الذوات بأنفسها فلا يمكن أن يكفي الواحد منها ، وينوب عن المختلفات ، فوجب أن يكون العلم غير القدرة وكذلك الحياة وكذا الصفات السبعة ، وأن تكون الصفات غير الذات من حيث أن المباينة بين الذات الموصوفة وبين الصفة أشد من المباينة بين الصفتين .