تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاقتصاد في الاعتقاد — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
المسألة الثالثة الفقهية : فمثل اختلافهم في أن الفاسق هل له أن يحتسب ؟ وهذا نظر فقهي ، فمن أين يليق بالكلام ثم بالمختصرات . ولكنا نقول الحق أن له أن يحتسب وسبيله التدرج في التصوير ؛ وهو أن نقول : هل يشترط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كون الآمر والناهي معصوما عن الصغائر والكبائر جميعا ؟ فإن شرط ذلك كان خرقا للاجماع ، فان عصمة الأنبياء عن الكبائر إنما عرفت شرعا ، وعن الصغائر مختلف فيها ، فمتى يوجد في الدنيا معصوم ؟ وإن قلتم إن ذلك لا يشترط حتى يجوز للابس الحرير مثلا وهو عاص به أن يمنع من الزنى وشرب الخمر ، فنقول : وهل لشارب الخمر أن يحتسب على الكافر ويمنعه من الكفر ويقاتله عليه ؟ فإن قالوا لا ، خرقوا الاجماع إذ جنود المسلمين لم تزل مشتملة على العصاة والمطيعين ولم يمنعوا من الغزو لا في عصر النبي صلى اللّه عليه وسلم ولا في عصر الصحابة رضي اللّه عنهم والتابعين ، فإن قالوا نعم ، فنقول : شارب الخمر هل له أن يمنع من القتل أم لا ؟ فإن قيل لا ، قلنا : فما الفرق بين هذا وبين لابس الحرير إذا منع من الخمر والزاني إذا منع من الكفر ؟ وكما أن الكبيرة فوق الصغيرة فالكبائر أيضا متفاوتة ، فإن قالوا نعم ، وضبطوا ذلك بأن المقدم على شيء لا يمنع من مثله ولا فيما دونه وله أن يمنع مما فوقه ، فهذا الحكم لا مستند له إذ الزنى فوق الشرب ولا يبعد أن يزني ويمنع من الشراب ويمنع منه ، ربما يشرب ويمنع غلمانه وأصحابه من الشرب ، ويقول : ترك ذلك واجب عليكم وعليّ والأمر بترك المحرم واجب علي مع الترك فلي أن أتقرب بأحد الواجبين ، ولم يلزمني مع ترك أحدهما ترك الآخر ، فإذن كما يجوز أن يترك الآمر بترك الشرب وهو بتركه يجوز أن يشرب ويأمر بالترك فهما واجبان فلا يلزم بترك أحدهما ترك الآخر ، فإن قيل : فيلزم على هذا أمور شنيعة وهو أن يزني الرجل بامرأة مكرها إياها على التمكين ، فإن قال لها في أثناء الزنى عند كشفها وجهها باختيارها لا تكشفي وجهك فاني لست محرما لك ، والكشف لغير المحرم حرام ، وأنت مكرهة على الزنى مختارة في كشف الوجه فأمنعك من هذا ، فلا شك من أن هذه
الاقتصاد في الاعتقاد — صفحة 144 | الغزالي