المهاجرين والأنصار لم يجتمعوا لامتحان جميعهم حين ولو أبا بكر امرهم حتى علموا ان ليس فيهم اعلم من أبي بكر ، وانما وقعت البيعة عقيب اختلاف وضجة وتنازع بين المهاجرين والأنصار ، كل منهم يذكر أنه أحق بالامر من غيره ، ومع هذا كله فقد وجدنا أبا بكر قد أقر على نفسه بغير خلاف بجهل كثير من العلم ، وانه ضل عنه احكام كثيرة من أبواب الشريعة ، وأنه لم يكن يحفظ القرآن ، وذلك مثل قوله : إنكم ان تكلفوني ما كان رسول اللّه يقوم به لعجزت عنه ، فان الرسول يأتيه الوحي من اللّه وكان موفقا مسددا ، واني أقول من عند نفسي ، فان أصبت فمن اللّه ورسوله وان أخطأت فمن نفسي ، ومن كان يقول من عند نفسه ، من غير كتاب ولا سنة ، فهو اجهل الجاهلين ، وما حاجته ان يقول من عند نفسه واللّه سبحانه يقول :
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي
« 1 » وقال :
ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ
« 2 » وقال :
وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً
« 3 » فإذا كان قد أكمل الدين ، ولم يفرط في الكتاب من شيء ، ونزل الكتاب تبيانا لكل شيء ، فقد جمع العلم في كمال الدين والكتاب المبين .
ثم لا يخلو ما كان يقوله من عند نفسه من أن يكون من الدين أو من غير الدين فإن كان من الدين ، فقد يجب بزعمكم ان اللّه بعث رسوله بشريعة ناقصة ، ودين غير كامل ، حتى أتم ذلك أبو بكر من عنده بخطإ أو بصواب وقائل هذا كافر باللّه تعالى ورسوله ، مع ما يلزم من تكذيب اللّه تعالى في قوله :
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
وهذا القول
هامش
( 1 ) سورة المائدة : الآية : 3 .
( 2 ) سورة الأنعام : الآية : 38 .
( 3 ) سورة النحل : الآية : 89 .