وحزونة « 1 » المضرب ، وضيق المدخل ، ووعورة التغلغل ، مانعته من الدّمور « 2 » عليه ، وقاطعته دون الوصول إليه ، فلم يرعه إلا صيحة الغارة ، وإحداق الخيول به كالخط في الاستدارة ، وقد طوى الأمير إليه تلك الطرق القاصية ، والقلل « 3 » العاصية « 4 » المتناصية « 5 » ، في ركضة لم ينل فيها جنبه قرارا ، ولا عينه غرارا ، ولا خيله جماما إلّا لماما « 6 » فهجم عليه في ربعه بنفسه وصحبه ، فأخذه كما قيل :
فأخذته أخذ المقصّب شاته * عجلان يشويها لقوم نزّل
وكان صباحه كما قيل :
إذا خرس الفحل وسط الحجور * وصاح الكلاب وعقّ الولد
ثم رأى أن يمنّ عليه ، ويرجع إليه ما كان بيديه ، فأطلقه تطوّلا وإنعاما ، وأعاده إلى مكانه إحسانا وامتنانا ، وواقفه على مال يعجّله ، وآخر في كل سنة يحمله . فعمرت باسمه تلك المنابر « 7 » ، واشترك في العلم بحاله الوارد والصادر ، والغائب والحاضر .
ولم يزل [ 15 أ ] بعد ذلك ، يدارك الركض على أطراف الهند غازيا ومجاهدا ، حتى
هامش
( 1 ) الحزونة : الخشونة . ابن منظور - لسان العرب ، مج 13 ، ص 113 ( حزن ) .
( 2 ) دمر عليهم دمورا : دخل عليهم بدون إذن . ابن منظور - لسان العرب ، مج 4 ، ص 291 ( دمر ) .
( 3 ) جمع قلّة وهي أعلى الجبل . ابن منظور - لسان العرب ، مج 11 ، ص 565 ( قلل ) .
( 4 ) الممتنعة . ابن منظور - لسان العرب ، مج 15 ، ص 67 ( عصا ) .
( 5 ) يقال : هذه الفلاة تناصي أرض كذا وتواصيها ، أي تتصل بها . ابن منظور - لسان العرب ، مج 15 ، ص 327 ( نصا ) .
( 6 ) ساقطة في الأصل ، والإضافة من ب .
( 7 ) تعبير عن المدن والبلدات الكبيرة . والمقصود به هنا إقامة صلاة الجمعة ، فلم تكن الإدارة السامانية تسمح - وحسب رأي فقهاء الحنفية - بإقامة الجمعة إلا في المدن الكبيرة . يقول المقدسي : وهنا قرى كبار لا يعوزها من رسوم المدن وآلاتها إلا الجامع ، لأن الأمير ببخارى ، والمقدم عند السلطان والمتمثل رأيه أصحاب أبي حنيفة .
وعندنا لا جمعة ولا تشريف إلا في مصر جامع يقام فيه الحدود . وكم تعب أهل بيكند حتى وضعوا المنبر .
المقدسي - أحسن التقاسيم ، ص 282 ، وانظر : ص 317 ؛ الإصطخري - مسالك الممالك ، ص 263 ، ص 264 .