لنفسه وملكه ، إذ كان لا يلتقي سيفان في غمد ، ولا يجتمع فحلان في شوّل « 1 » .
وبلغني أن السلطان بعد استنزاله إياه عن القلعة بغزنة « 2 » بسط منه في بعض مجالس أنسه ، وباحثه بلسان الاستدراج « 3 » عند حث السقاة عما كان ينويه في معاملته أن لو ملك من أمره ما ملكه هو منه ، فحملته سلامة صدره ، ونشوة خمره ، على أن قال : [ 95 ب ] كان رأيي فيك أن أوعز بك إلى بعض القلاع موسعا عليك فيما تقترحه من دار ، وغلمة وجوار ، ورزق على قدر الكفاية دارّ . فلما ارتاب السلطان عند الحادثة به ، عامله بعين ما نواه ، وقابله بجنس ما أبداه ، واستودعه والي الجوزجان أبا الحارث « 4 » ممكنا مما يشتهيه ، ممتعا بمثل ما كان ينويه ، فلله هذا الفعال « 5 » الذي طرّز ديباجة الكرم ، وغبر في مساعي ملوك الأمم . وقد يستغرب هذا الإسجاح « 6 » من وجه وإن كان لا يستبدع من آخر ، لأن هناك عاطفة القربى والرحم ، ولكن الشأن في الأجانب الذين تغلق رقابهم « 7 » الأجرام الفادحة ، والجنايات الفاضحة « 8 » ، كيف يسلط فيهم رأيه على هواه ، ويستبقي الجاني بما جناه ، فلم يسمع بأعف منه في الجنايات سيفا ، ولا أحسن على فورة الزلات صبرا . واحتجّ لهذه الخصلة الفاضلة بأن الملك الحازم « 9 » من يسلب الجاني في حال سخطه ما يمكنه الوفاء بعينه أو بمثله عند رضاه ، وجرح المال يؤسى بالتعويض والإخلاف ، فأما النفوس فليس لإتلافها من تلاف .
هامش
( 1 ) جمع شائل وهي الناقة التي تشول بذنبها طلبا للّقاح . ابن منظور - لسان العرب ، مج 11 ، ص 375 ( شول ) ، وهو من أمثال العرب . انظر : الميداني - مجمع الأمثال ، ج 2 ، ص 272 .
( 2 ) وردت في ب : بقرنة .
( 3 ) وردت في ب : الاختبار والاستدراج .
( 4 ) الفريغوني .
( 5 ) الكرم . ابن منظور - لسان العرب ، مج 11 ، ص 528 ( فعل ) .
( 6 ) حسن العفو . ابن منظور - لسان العرب ، مج 2 ، ص 475 ( سجح ) .
( 7 ) كناية عن وقوع الرجل في ورطة عظيمة لا يمكنه التخلص منها .
( 8 ) وردت في ب : الفاحشة .
( 9 ) وردت في ب : الخازم .