ويصفح ، فلمّا سمع كلامهما لم يقتلهما ، وأمر بهما فسجنا .
ولمّا فتح صفد سار عنها إلى كوكب ونازلها وحصرها ، وأرسل إلى من بها من الفرنج يبذل لهم الأمان إن سلّموا ، ويتهدّدهم بالقتل والسبي والنهب إن امتنعوا ، فلم يسمعوا قوله ، وأصرّوا على الامتناع ، فجدّ في قتالهم ، ونصب عليهم المجانيق ، وتابع رمي الأحجار إليهم ، وزحف مرّة بعد مرّة ، وكانت الأمطار كثيرة ، لا تنقطع ليلا ولا نهارا ، فلم يتمكّن المسلمون من القتال على .
الوجه الّذي يريدونه ، وطال مقامهم عليها .
وفي آخر الأمر زحفوا إليها دفعات متناوبة في يوم واحد ، ووصلوا إلى باشورة القلعة ، ومعهم النقّابون والرماة يحمونهم بالنشاب عن قوس اليد والجروح ، فلم يقدر أحد منهم أن يخرج رأسه من أعلى السور ، فنقبوا الباشورة فسقطت ، وتقدّموا إلى السور الأعلى ، فلمّا رأى الفرنج ذلك أذعنوا بالتسليم ، وطلبوا الأمان فأمّنهم ، وتسلّم الحصن منهم منتصف ذي القعدة ، وسيّرهم إلى صور ، فوصلوا إليها .
واجتمع بها من شياطين الفرنج وشجعانهم كلّ صنديد ، فاشتدّت شوكتهم ، وحميت جمرتهم ، وتابعوا الرسل إلى من بالأندلس وصقلّيّة وغيرهما من جزائر البحر يستغيثون ويستنجدون ، والأمداد كلّ قليل تأتيهم ، وكان ذلك كلّه بتفريط صلاح الدين في إطلاق كلّ من حصره ، حتّى عضّ بنانه ندما وأسفا حيث لم ينفعه ذلك .
واجتمع للمسلمين بفتح كوكب وصفد من حدّ أيلة إلى أقصى أعمال بيروت ، لا يفصل بينه غير مدينة صور وجميع أعمال أنطاكية ، سوى القصير ، ولمّا ملك صلاح الدين صفد سار إلى البيت المقدّس ، فعيّد فيه عيد الأضحى ، ثمّ سار منه إلى عكّا ، فأقام بها حتّى انسلخت السنة .
الكامل في التاريخ — صفحة 23
مساهمون: ابن الأثير
ص٢٣