إلى الحوت أن يأخذه ولا يخدش له لحما ولا يكسر له عظما ، فأخذه وعاد إلى مسكنه من البحر ، فلمّا انتهى إليه سمع يونس حسّا فقال في نفسه : ما هذا ؟
فأوحى اللَّه إليه في بطن الحوت : إنّ هذا تسبيح دوابّ البحر ، فسبّح وهو في بطن الحوت ، فسمعت الملائكة تسبيحه ، فقالوا : ربّنا نسمع صوتا ضعيفا بأرض غريبة . فقال : ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر .
فقالوا : العبد الصالح الّذي كان يصعد له كلّ يوم عمل صالح ؟ فشفعوا له عند ذلك ،
فَنادى فِي الظُّلُماتِ
- ظلمة البحر وظلمة بطن الحوت وظلمة الليل - :
أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
[ 1 ] ! وكان قد سبق له من العمل الصالح ، فأنزل اللَّه فيه :
فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
[ 2 ] ، وذلك أنّ العمل الصالح يرفع صاحبه إذا عثر ،
فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ
[ 3 ] ، ألقي على ساحل البحر وهو كالصبيّ المنفوس ، ومكث في بطن الحوت أربعين يوما ، وقيل : عشرين يوما ، وقيل : ثلاثة أيّام ، وقيل :
سبعة أيّام ، واللَّه أعلم .
وأنبت [ اللَّه ] عليه شجرة من يقطين ، وهو القرع ، يتقطّر إليه منه اللبن ، وقيل : هيّأ اللَّه له أرويّة وحشية ، فكانت ترضعه بكرة وعشيّة حتى رجعت إليه قوّته وصار يمشي ، فرجع ذات يوم إلى الشجرة فوجدها قد يبست ، فحزن وبكى عليها ، فعاتبه اللَّه ، وقيل له : أتبكي وتحزن على شجرة ولا تحزن على مائة ألف وزيادة أردت أن تهلكهم ! ثمّ إنّ اللَّه أمره أن يأتي قومه فيخبرهم أنّ اللَّه قد تاب عليهم ، فعمد إليهم ،
هامش
[ 1 ] ( سورة الأنبياء 21 ، الآية 87 ) .
[ 2 ] ( سورة الصافات 37 ، الآيتان 143 ، 144 ) .
[ 3 ] ( سورة الصافات 37 ، الآية 145 ) .