جواب آخر : كان عمر عليّ عند الوفاة خمسا وأربعين سنة سلخ منها ثلاثا وعشرين عاما مع النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وتسعا وثلاثين عاما سوى خمسة أشهر عاشها بعده ، ويصحّ البلوغ في الثالثة عشرة ويبدأ النموّ في سنّ العاشرة ، سلّمنا أنّه لم يكن بالغا عندما أسلم ولكنّه لم يكفر كغيره ولم يستظلّ بظلّ الشرك - وحاشاه من ذلك - .
جواب آخر : سلّمنا بطفولته إلّا أنّ إسلامه بنحو الإلهام أو لا ؟ فإن كان الأوّل فيكون إيمانه أعلى مراتب الإيمان ، وإن كان الثاني فلا بدّ من كونه بطلب ودعوة من النبيّ والنبيّ لا يفعل ذلك إلّا بأمر اللّه كما قال اللّه تعالى :
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى
« 1 » وقال :
ما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ
« 2 » وقال :
وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ * لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ
« 3 » .
وتخصيصه من دون فتيان العالم بالدعوة لا بدّ من كونه لخاصيّة في شخصه ودرجة عالية له بين الناس . وعندنا أنّ عناية كهذه تختصّ بالأنبياء أو الأئمّة ويظهر الإعلام عندما يبلغ المعتنى به أشدّه كما فعل عيسى عند بلوغه من البشارة بمحمّد صلّى اللّه عليه وآله إظهارا لنبوّته ، وهذه البشارة من أعلام نبوّة المسيح على نبيّنا وآله وعليه السلام وإلّا لو افترضنا بأنّ إيمان عليّ عليه السّلام كان بالوحي أو من تلقاء نفسه فإنّها فضيلة لا تبلغها العقول ، ولا يحيط بها خاطر ، لأنّ النور ملأ قلبه في بيئة يغمرها الشرك ، وتطغى عليها موجة الكفر .
هامش
( 1 ) النجم : 3 و 4 .
( 2 ) ص : 86 .
( 3 ) الحاقّة 46 : 44 .