وأصل تلك الأصول الذي يجب أن يكون أوّلًا فيها كتاب العقل ، وليس المراد بالعقل هنا ما هو شرط التكليف ، وهو مقابل الجنون ، بل المراد رعاية الآداب الحسنة بقدر الوسع في تحصيل علم الدِّين والعمل به ، وهو مقابل الجهل بمعنى الإخلال بتلك الآداب ، ولا ينافي هذا ما يجيء في ثالث أوّل « كتاب العقل » ، فإنّه بيان حقيقته لا بيان مفهومه .
( وَفَضَائِلُ « 1 » الْعِلْمِ ، وَارْتِفَاعُ دَرَجَةِ أَهْلِهِ ، وَعُلُوُّ قَدْرِهِمْ ، وَنَقْصُ الْجَهْلِ ، وَخَسَاسَةُ أَهْلِهِ ، وَسُقُوطُ مَنْزِلَتِهِمْ ) .
فضائل مرفوع معطوف على « كتاب » بعطف التفسير والتفصيل ، وكذا نظائره ، فليس من تتمّة العنوان .
واللام في « العلم » للعهد ، والمراد علم الدِّين ، وأهل العلم العاملون بالعلم ، والنقص بالفتح النقصان ، وتغيير الأسلوب - حيث لم يقل : ونقائص الجهل - رمزٌ إلى أنّ المراد بالجهل هنا ضدّ العقل ، لا ضدّ العلم .
( إِذْ كَانَ الْعَقْلُ هُوَ الْقُطْبَ الَّذِي عَلَيْهِ الْمَدَارُ ، وَبِهِ يُحْتَجُّ ، وَلَهُ الثَّوَابُ ، وَعَليْهِ الْعِقَابُ ) .
هذا بيان وجه تقديم كتاب العقل على سائر كتب الكافي ، و « إذ » للتعليل .
وذكر « كان » إشارةٌ إلى أنّ ابتداء خلق المكلّفين والتكليف لم يكن إلّاللعقل ، موافقاً لاحتمال في قوله تعالى في سورة الذاريات :
« وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ * وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ »
« 2 » وهو أن يكون ضمير « يعبدون » للمؤمنين . « 3 »
و « القطب » بالضمّ : وتد الرحى « 4 » . و « المدار » بفتح الميم ، مصدر ميمي من باب نصر ، والمراد هنا انتظام تكليف الجنّ والإنس ؛ شبّه العقل بقطب الرحى ، والتكليف بالرحى ، وانتظام التكليف بدوران الرحى على القطب .
« يحتجّ » بالمهملة وشدّ الجيم بصيغة المجهول من باب الافتعال ، والمراد احتجاج
هامش
( 1 ) . في الكافي المطبوع : « وفضائلِ » بكسر الأخير .
( 2 ) . الذاريات ( 51 ) : 55 - 56 .
( 3 ) . في حاشية « أ » : « وهم الذين يعقلون » .
( 4 ) . ترتيب كتاب العين ، ج 3 ، ص 1490 ( قطب ) .