« وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ »
« 1 » هذا قولهم
« بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ »
« 2 » ؛ إذ لو علموا ذلك لم يكونوا كفّاراً ، وإنّما قالوا ذلك تقليداً وسماعاً من الناس على العادة الرسميّة ، فلذا لا ينفعهم ذلك في الدنيا ولا في الآخرة .
وأمّا سبب الوسوسة ومنشأها ودفع الشبهة التي في أمر التأمّل في الإرادات وما يضاهيها [ ف ] يظهر بعد تمهيد مقدّمة هي أنّ الجوهر المجرّد المتعلّق بتربية البدن بلسان الشريعة هو القلب ، وبلسان الحكمة والكلام بالنفس الناطقة ، وهو في ذاته لمّا كان مجرّداً ، يكون الملكوت الأعلى يفعل فيما دونه ، وينفعل عمّا فوقه ، فيكون حينئذٍ بمنزلة المرآة نظراً إلى الصور المثاليّة لأنواع المخلوقات القائمة به ، أو بمثابة الأرض التي يتكوّن فيها أنواع النباتات لارتسام صورها فيه .
ومَداخل هذه الآثار المتجدّدة والصور المتعاقبة إمّا الحواسّ الظاهرة والباطنة ، وإمّا الأخلاق النفسانيّة كالشهوة والغضب وغيرهما ، فالأولى من المبادي الإدراكيّة ، والثانية من المبادي العمليّة .
ثمّ تؤثّر هذه الأشياء في النفس أثراً مّا ، فبهذا الاعتبار يسمّى ذلك المجرّد بالقلب ؛ لكونه محّلًا للحوادث الإدراكيّة ، وموضوعاً للأحوال النفسانيّة ، وهذه الأحوال هي أسباب وبواعثُ للأفعال الصادرة بالقدرة ، ويعبّر عنها بالتصوّر .
وبالجملة ، إنّه لا يزال في التغيير والانتقال والتأثّر عن آثار تلك الأسباب الداخلة والخارجة ، ويسمّى تلك الآثار بالخواطر ؛ لخطورها بالقلب بعد أن « 3 » كان غافلًا عنها ، فالخواطر محرّكات وأسباب للأشواق ، وهي للقوى والقُدَر ، فتحصل الإرادة وهي محرّكة للأعضاء والجوارح ، وبها يظهر الأفاعيل في الخارج ، فمبدأ الفعل البشري هو الخاطر ، وهو محرّك الرغبة ، وهي تحرّك العزم والقصد والإرادة ، وهي تبعث القدرة ،
هامش
( 1 ) . لقمان ( 31 ) : 25 .
( 2 ) . المائدة ( 5 ) : 41 .
( 3 ) . في المخطوطة : « وإن » بدل « بعد أن » .