لوحظت المبادى ورتبت المقدمات ، فان مبدأ الكلّ لو لم يكن قادرا على كل الممكنات وخرج كثير « 1 » من الأشياء عن علمه وقدرته وتأثيره وايجاده بواسطة أو بغير واسطة لم يصلح لمبدئية الكل ، فالهداية والضلالة والايمان والكفر والخير والشّر والنّفع والضّر وسائر المتقابلات كلّها مستندة إليه منتهية إلى قدرته وتأثيره وعلمه وارادته ، والآيات الناطقة بصحّة هذه القضية كقوله تعالى :
فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ
« 2 » ،
وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها
« 3 » ،
قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
« 4 » ، كثيرة وكذا الأحاديث : اعملوا كل ميسر لما خلق له ، كلّ شيء بقدر حتى العجز والكيس .
ثم قال : فهذه القضية مطابقة للعقل والنقل وبقي الجواب عن اعتراضات المخالف ، اما حكاية التنزه « 5 » عن الظلم والقبائح فأقول : ان للّه صفتي لطف وقهر ، ومن الواجب وفي الحكمة ان يكون الملك وخصوصا « 6 » ملك الملوك كذلك ، إذ كل منها من أوصاف الكمال ولا يقوم أحدهما مقام الاخر ، ومن منع ذلك كابر وعاند ، ولا بدّ لكلّ من الوصفين من مظهر ، فالملائكة ومن ضاهاهم من الأخيار مظاهر اللطف والشياطين ومن والاهم من الأشرار مظاهر القهر ، ومظاهر اللطف أهل « 7 » الجنة والاعمال المستتبعة لها ومظاهر القهر أهل النار والافعال المعقبة إياها ، ولا اعتراض عليه في تخصيص كل من الفريقين بما خصّصوا به فانّه لو عكس الامر لكان الاعتراض بحاله . وهاهنا يظهر حقيقة السعادة والشقاوة ،
فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ
« 8 »
. . . وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ
« 9 » . . . الآية .
قال : وإذا تؤمل فيما قلت ظهران لا وجه بعد ذلك لاسناد الظلم والقبائح إليه تعالى ، لان هذا الترتيب « 10 » من لوازم الوجود والايجاد ولا سيّما عند القائل بالتحسين والتقبيح العقليين .
واما قوله اى فائدة في بعثة الرسل وانزال الكتب ففي غاية السخافة ، لأنه لما بينا انه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد فكيف يبقى للمعترض ان يقول : لم جعل الله
هامش
( 1 ) . شيء « غرائب القرآن »
( 2 ) . الانعام / 149
( 3 ) . السجدة / 13
( 4 ) . النساء / 78
( 5 ) . التنزيه « غرائب القرآن »
( 6 ) . ولا سيما « غرائب القرآن »
( 7 ) . هم أهل « غرائب القرآن »
( 8 ) . هود / 105
( 9 ) . هود / 108
( 10 ) . الترتيب والتمييز « غرائب القرآن »