القلم الّذي به انكتبت « 1 » في لوح القلب فيشبه أن تكون اهلا لذلك .
فقال السائل : لقد فتحت بصرى وحدّقته فوالله ما أرى قصبا ولا خشبا ولا اعلم قلما الا كذلك .
فقال العلم : لقد أبعدت النجعة ، أما سمعت ان متاع البيت يشبه رب البيت ؟ أما علمت أن الله تعالى ذاته لا يشبه سائر الذوات ؟ فكذلك لا يشبه يده الا يدي ولا قلمه الأقلام ولا كلامه سائر الكلام ولا خطه سائر الخطوط ؟ وهذه أمور إلهية من عالم الملكوت فليس الله تعالى في ذاته بجسم ولا في مكان بخلاف غيره ، ولا يده لحم وعظم ودم بخلاف الأيدي ولا قلمه من قصب ولا لوحه من خشب ولا كلامه بحرف وصوت ولا خطه برقم ورسم ، فان كنت لا تشاهد هذا هكذا فما أراك الا مخنثا بين فحولة التنزيه وانوثة التشبيه مذبذبان هذا وذاك ، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، فكيف نزهته ذاته وصفاته وكلامه واخذت تتوقف في يده وقلمه ولوحه وخطه ؟
فكن منزها صرفا ومقدسا فحلا فلعلك تجد على النار هدى ولعلك من سرادقات العزة تنادى كما نودي موسى :
إِنِّي أَنَا رَبُّكَ
. « 2 »
فلما سمع السالك من العلم ذلك استشعر قصور نفسه وانه مخنث في « 3 » التشبيه والتنزيه ، فاشتعل قلبه نارا من حدّة غضبه على نفسه لما رآها بعين النقص ، ولقد كان زيته في مشكاة قلبه يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار .
فلما نفخ فيه العلم بحدّته اشتعل زيته فأصبح نورا على نور فقال له العلم : اغتنم الآن الفرصة وافتح بصرك فلعلك تجد على هذه النار هدى ، ففتح بصره فانكشف له القلم الإلهي فإذا هو كما وصفه العلم في التنزيه ، وهو يكتب على الدوام في قلوب البشر كلهم أصناف العلوم وكان له في كل قلب رأسا ولا رأس له .
فقضى منه العجب وقال : نعم الرفيق العلم ، جزاه الله عنى خيرا ، إذا لان ظهر لي صدق انبائه عن أوصاف القلم فانى أراه الآن قلما لا كالاقلام .
فعند هذا ودع العلم وشكره فقال : لقد طال مقامي عندك وانا عازم على السفر
هامش
( 1 ) . اكتب « الاحياء »
( 2 ) . طه / 12
( 3 ) . بين « الاحياء »