واما ما افاده السيد الأستاذ قدس سره فهو أيضا منظور فيه ، فإنه وان سلم كون الامر التكويني قابلا للانتهاء والانقطاع كحال الحوادث الزمانية في تصرمها وتجددها لكن البداء يخالف ذلك بوجهين .
أحدهما ان البداء قد يتحقق في الامر التشريعي أيضا كما امر الله تعالى خليله بذبح إسماعيل عليه السلام كما في قوله حكاية عن إسماعيل :
افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ
. « 1 »
والثاني ان في النسخ تعدد « 2 » زماني مقتضى الامر المنسوخ ومقتضى الامر الناسخ ، ووحدة الفعل الوارد عليه النسخ وحدة مبهمة نوعية يقع فيها التكثر والتجدد أو الاستمرار ، ووحدة الفعل الوارد عليه البداء وحدة عددية شخصية كما في قصة كلا الاسماعيلين ، فان الذبح فعل واحد وكون الشخص الواحد إماما امر واحد تعلق به الامر والنهى جمعيا فأين هذا من مشابهة النسخ واجرائه مجراه ؟
واما ما ذكره علماء العامة وشراح أحاديثهم فركيك جدا ، لان القضاء السابق متعلق بكل شيء وليس البداء في كل شيء بل فيما يبدو ثانيا ويتجدد أخيرا ويعلم مستأنفا ، ولا يكون لاحد بداء في لغة العرب حقيقة الا إذا ما كان يبدو له على خلاف ما قد كان يحتسبه كما في قول عز من قائل :
ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ
. « 3 » وقوله :
وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ
. « 4 »
فاذن قد ظهر لك ان شيئا مما ذكروه وأسّسوه لدفع الاشكال عن البداء « 5 » المنسوب إلى الله تعالى وتقدس ذاته وصفاته عن التغير والتجدد وعن التكثر والتحدد لا يفي بدفعه ولا يسمن ولا يغنى ، ونحن بفضل الله وكرمه بصدد تحقيق البداء ودفع الاشكال الّذي فيه ، بعد تحقيق النسخ وحل الشبهة فيه أيضا ، في فصلين آخرين إن شاء الله متدرجا من الأسهل إلى الأصعب « 6 » كما هو دأب التعليم فنقول :
هامش
( 1 ) . الصافات / 102
( 2 ) . يتعدد - م - د
( 3 ) . يوسف / 35
( 4 ) . الزمر / 47
( 5 ) . اشكال البداء - م - د
( 6 ) . الأسهل النسخ والأصعب البداء .