الخلق به : سبحانك ما عرفناك حق معرفتك وقال : ان اللّه احتجب عن العقول كما احتجب عن الابصار ، وان الملأ الاعلى يطلبونه كما أنتم تطلبونه .
فان قلت : لا حجاب بين اللّه تعالى وبين الملك المقرب والعقل الاوّل والروح الأعظم فكيف لا يشاهده وقد ارتفع الحجاب ؟
قلنا : حجابه وجوده وبقاء انيته .
قال يعقوب بن إسحاق الكندي : إذا كانت العلة الأولى متصلة بنا لفيضه علينا وكنا غير متصلين به الا من جهته ، فقد يمكن فينا ملاحظته على قدر ما يمكن المفاض عليه ان يلحظ المفيض ، فيجب ان لا ينسب قدر احاطته بنا إلى قدر ملاحظتنا له ، لانّها اغزر وأشد استغراقا لنا . انتهى .
فما دامت هوية العبد باقية فهو بعد في حجاب انيته وذاته ، لا يمكن له الوصول التام - فان تجرد نفسه عن البدن - كما قيل :
بيني وبينك انى ينازعني * فارفع بلطفك اني من البين
واما إذا فنى عن ذاته واندك جبل انيته فعند ذلك يعرف الحق بالحق لاستغراقه فيه وغيبته عن كل شيء حتى عن نفسه وعن استغراقه وشهوده ، لأنه لو نظر إلى شهوده أو آثر عرفانه لأنه عرفان فهو بعد محجوب بشهوده عن المشهود وبعرفانه عن المعروف به فلم يجد حق الوصول ؛ فما وصفناه حال الملائكة المهيّمين وأعاظم الأنبياء والأولياء الكاملين صلوات اللّه على نبينا وآله وعليهم أجمعين .
ولا يبعد ان يراد بالملإ الاعلى والعقول المذكورين في الحديث ان كان النقل صحيحا غير المهيمين من الملائكة ، بل الأرواح المدبرة السماوية لوصفها بالطلب ، واسم العقل انما يقع للجواهر العقلية التي هي وسائط صدور الاجرام عن البارئ من جهة تعقلها لذواتها والتفاتها بها . واسم الملك أيضا لكونه مأخوذا من الالوكة وهي الرسالة انّما يطلق على الذين هم رسل اللّه النازلة إلى خلقه .
ولنرجع إلى ما فارقناه فنقول : ان في كلامه عليه السلام فوائد :
الأولى انه ذكر الاشخاص والأنوار كأنهما امرين متقاسمين متقابلين ، فأراد بالاشخاص الصّور الجسمية الخارجية ذوات الأوضاع وهي ليست مدركة بذواتها ولا ظاهرة لذواتها ولا لغيرها ، وانما أدركت وظهرت لغيرها بصورة أخرى حسية أو عقلية ، وأراد بالأنوار