كانت احرى ، فالنفوس كلها مفتقرة في الوجود إلى نور عقلي مفارق بالكليّة عن التعلق بغير مبدعة سواء كان واحدا أو كثيرا ، فلكلّ نفس نور عقلي حامل لها بالذات ولجرمها بواسطتها ، والاجرام الغير الحيوانية كالأرض والجبال ونحوهما فحاملها ومحرّكها طبائعها التي صور موادها .
وقد بيّن في موضعه : انّ الصورة لا تقوّم المادة الا بجوهر عقلي هو حافظ نوعها ومدبّر اشخاصها تدبيرا كليّا عقليّا ، فذلك النور المفارق هو الحامل لمجموع المادة والصورة لصدور كلّ منهما عنه بتوسط الأخرى ، كما بيّن في كيفية التلازم بينهما .
فاذن قد ثبت وتبين ان جميع الاجرام وطبائعها ونفوسها محمولة على أنوار قاهرة عقلية وهي حاملها وحافظها وممسكها ، وتلك الأنوار كلّها لا بد من انتهائها لكثرتها إلى نور واحد هو نور عظمة اللّه وهو القاهر عليها من فوقها ، وقاهريتها على ما دونها ظلّ واثر من قاهريته تعالى .
فظهر انه تعالى حامل كل شيء وممسكه وحافظه بنور عظمته ، فهو حامل العرش والكرسي والسماوات والأرض وغيرها باجرامها وطبائعها ونفوسها وعقولها ، وكل شيء محمول له ومتعلق به وليس لشيء حول ولا قوّة ولا قدرة واستطاعة في شيء من الضّر والنفع والموت والحياة الّا بقوته تعالى ونور عظمته ، وهو حياة كلّ حيّ ونور كل ظل وفيء ، بل حياة الحيوانات ونور الأنوار وعقل العقول ، سبحانه وتعالى عما يصفه الجاهلون علوا كبيرا .
المطلب السابع : في أنه تعالى مع غاية تجرده واحديته لا يخلو عنه مكان من الأمكنة
فهو في كلّ مكان وليس في مكان ، ولا تناقض في القولين ، لان هذا النفي والاثبات من وجهين ، الا ترى انّ كون النفس في البدن ليس ككون الماء في الكوز ؟
فلو قال أحد : النفس في البدن وليست في البدن ليس في قوله هذا تناقض ؟ وذلك قوله عليه السلام في جواب جاثليق حيث قال له : فأخبرني عن اللّه عزّ وجل اين هو ؟ فقال : هو هاهنا وهاهنا وفوق وتحت ومحيط بنا ومعنا ، واحتج عليه السلام عليه بقوله تعالى :
ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ . . .
الآية ، وقد سبق تحقيق معنى الآية بما لا يوجب تكثرا ولا تجسما أو تشبها .
المطلب الثامن : في إحاطة علمه تعالى بجميع الموجودات الكلّية والجزئية
وذلك قوله عليه السلام : فالكرسي محيط بالسّماوات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى إلى قوله :
وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ
.