والاستيلاء ، وقد تعذّر حمله على الاستقرار ، فوجب حمله على الاستيلاء ، والّا لزم تعطيل اللفظ وانه غير جائز .
وأيضا نقول : ان الدلائل العقلية لما قامت على امتناع الاستقرار الحسي على الله ودل ظاهر لفظ الاستواء على الاستقرار ، فاما ان نعمل بكلّ من الدليلين واما ان نتركهما جميعا ، وامّا ان نعمل بالنقل دون العقل واما ان نرجح العقل ونترك النقل ، والأول باطل ، والا لزم ان يكون الشيء الواحد منزها عن المكان وحاصلا فيه وهو محال ، والثاني أيضا محال ، لانّه يلزم ارتفاع النقيضين معا وهو باطل ، والثالث أيضا باطل ، لان العقل أصل النقل والقدح في العقل لأجل تصحيح النقل يقتضي القدح في العقل والنقل معا ، فلم يبق الّا ان نقطع بصحة العقل ونشتغل بتأويل النقل .
وهذا برهان قاطع على صحة التأويل لكن على وجه لا يؤدي إلى ترك كثير من الظواهر الشرعية كما سبق ، بل على وجه لا يهدم شيئا منها . فنقول : قال بعض العلماء :
ان المراد من الاستواء الاستعلاء قال الشاعر :
قد استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراق
فان قيل : هذا التأويل غير صحيح لوجوه :
أحدها ان الاستيلاء حصول الغلبة بعد العجز وذلك في حق الله تعالى محال ، لأنه تعالى منزه عن الشريك والمنازع .
وثانيها انما يقال : فلان استولى على كذا ، ان لو كان المستولى عليه موجودا قبل ذلك ، وهذا في حق الله تعالى محال ، لان العرش انما حدث بتكوينه وتخليقه .
وثالثها الاستيلاء حاصل بالنسبة إلى كل المخلوقات ، فلا يبقى للتخصيص بالذكر فائدة .
فالجواب : انا إذا فسرنا الاستيلاء بالاقتدار التام زالت هذه المطاعن .
واعلم أنه وقع في بعض المواضع - « 1 » : ثم استوى على العرش ، بايراد كلمة « ثم » والوجه في ذلك : لان الموجودات الصادرة عنه تعالى على قسمين :
أحدهما المبدعات وهي التي يكفي امكانها الذاتي في استحقاقها لقبول الوجود فلا جرم صدرت بلا مهلة .
هامش
( 1 ) - اي : في مواضع القرآن .