إلى الأشياء .
وثانيهما الخوض في تأويله ، وقد ذكروا فيه أقوالا أقربها ما ذكره القفال من المعتزلة وهو : ان المقصود من هذا الكلام تصوير عظمة اللّه وكبريائه ، وتقريره : انّه تعالى لما خاطب عباده في تعريف ذاته وصفاته بما اعتادوه في ملوكهم وعظمائهم فمن ذلك أنه جعل الكعبة بيتا يطوف الناس به كما يطوفون بيوت ملوكهم ، وامر الناس بزيارته كما يزورون بيوت ملوكهم ، وذكر في الحجر الأسود انّه يمين اللّه في ارضه ثم جعله موضعا للتقبيل كما يقبل الناس أيدي ملوكهم ، وكذلك ذكر في محاسبة العباد يوم القيامة من حضور الملائكة والنبيّين والشهداء ووضع الموازين ، فعلى هذا القياس أثبت لنفسه عرشا فقال :
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
« 1 » ، ثم قال :
وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ
« 2 » وقال :
وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ
« 3 » ، وقال :
الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ
. . .
يُسَبِّحُونَ
« 4 » ، ثم أثبت لنفسه كرسيا فقال :
وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
« 5 » .
إذا عرفت هذا فنقول « 6 » : كل ما جاء من الالفاظ الموهمة للتشبيه من العرش والكرسي فقد ورد مثلها بل أقوى منها في الكعبة والطواف وتقبيل الحجر ، ولما توقفنا هاهنا على أن المقصود تعريف عظمة اللّه وكبريائه مع القطع بأنه منزه عن أن يكون في الكعبة فكذا الكلام في العرش والكرسي . انتهى كلام القفال .
وقد استحسنه كثير من العلماء المفسّرين الذين جاءوا بعده فاتوا على منهاجه ، منهم الزمخشري والرازي والنيشابوري والبيضاوي .
اما الزمخشري حيث قال في تفسير قوله تعالى :
وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
: وما هو الّا تصوير لعظمته وتخييل فقط ، ولا كرسي ثم ولا قعود ولا قاعد كقوله تعالى :
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ
« 7 » ، من
هامش
( 1 ) - طه 5 .
( 2 ) - الزمر 75 .
( 3 ) - الحاقة 17 .
( 4 ) - غافر 7 .
( 5 ) - البقرة 255 .
( 6 ) - اي : قال القفال .
( 7 ) - الزمر 67 .