وجوده تعالى واحد لا كالآحاد من الاعداد إذ ليس كمثله شيء « 1 » ، وهو مع كلّ شيء ، فكذلك وحدة صفاته التي هي عين ذاته ، وهذا من غوامض الإلهية .
فقد ظهر وتبين انّ علمه تعالى أصل حقيقة العلم وعلم الخلق رشح وفيض من علمه ، وقد جمع الخالق والمخلوق اسم العالم واختلف المعنى .
وقوله عليه السلام : وانما سمى اللّه عالما لأنه لا يجهل شيئا ، ليس المراد كما توهمه العبارة من كون العلم فيه راجعا إلى نفي الجهل حتى يكون من الصفات السلبية ، بل المراد به ما أشرنا إليه من كون علمه محض حقيقة العلم لا يجهل معه شيئا .
وقوله : سمى ربنا سميعا لا بخرت ، بيان للفرق واختلاف المعنى في لفظي السميع والبصير المشتركين بينه وبين الخلق . واعلم أن وجوه الفرق كثير بين سمعه تعالى وسمعنا وبصره وبصرنا لكنه عليه السلام اختصر في الكلام حذرا من التطويل لحصول المقصود بدونه ، فذكر من وجوه الفرق ما هو أبين وأقرب إلى فهم العامة وهو ثلاثة وجوه :
أحدهما ان السمع فينا بثقبة تدرك بها الأصوات والبصر أيضا بثقبة تدرك بها الألوان .
وثانيها ان الثقبة والآلة التي تسمع بها لا يمكن ان تبصر بها والتي هي تبصر بها لا يمكن ان تسمع بها .
وثالثها ان البصر منا بآلة يحتمل شخصا منظورا إليه والسمع بآلة تحتمل هيئة الصوت ، وانه تعالى يسمى سميعا بصيرا بذاته لا بآلة من ثقبة أو قوة أخرى ، فالذي به يسمع هو الذي به يبصر وأنه يسمع ويرى لا باحتمال صورة المسموع وشبه « 2 » المنظور إليه .
وقوله : وهو قائم ليس على معنى انتصاب ، يعني ان من الأسماء المشتركة بين الخالق والخلق اسم القائم لكن في كل منهما بمعنى آخر ، فان القائم من الأجسام ما ينتصب على ساق ، كما نحن ننتصب عند القيام بأمر على سوقنا في كبد ومشقة ، واما البارئ جل مجده فاسم القيام فيه يخبر بأنه حافظ للأشياء مقوم لوجودها ولا يؤده حفظها وانه القائم على كل نفس بما كسبت ، فاختلف المعنى واتحد الاسم .
وقد يطلق القائم في كلام الناس بمعنى الباقي وهو أيضا معناه مختلف ، فمعنى الباقي في
هامش
( 1 ) - الشورى 11 .
( 2 ) - شبح - م - د .