أو جوهرا جسمانيا وهو محال وجوها من البحث :
الأول ان أحد الأصلين من هذا القياس مسلم ، وهو ان كونه في جهة يوجب المحال ، ولكن الأصل الأوّل وهو ادعاء هذا اللازم على اعتقاد الرؤية ممنوع .
فنقول : لم قلتم انه ان كان مرئيا فهو في جهة « 1 » من الرائي ؟ أعلمتم ذلك بضرورة أم بنظر ؟ ولا سبيل إلى دعوى الضرورة ، واما النظر فلا بد من بيانه ومنتهاه انهم لم يروا إلى الآن شيئا إلّا وكان بجهة من الرائي مخصوصة ، ولو جاز هذا الاستدلال لجاز للمجسم ان يقول : ان البارئ تعالى جسم لأنه فاعل ، فانّا لم نر إلى الآن فاعلا الا جسما ، وحاصله يرجع إلى الحكم بان ما شوهد وعلم ينبغي ان يوافقه ما لم يشاهد ولم يعلم « 2 » .
أقول : دعوى كون المرئى بهذا العين مطلقا يجب ان يكون في جهة ، ليس مبناها على أن المرئيات في هذا العالم لا يكون الا في جهة حتى يكون من باب قياس الغائب على الشاهد ، بل النظر والبرهان يؤديان إليه وهو : ان القوة الباصرة التي في عيوننا قوة جسمانية وجودها وقوامها بالمادة الوضعية ، وكل ما وجوده وقوامه بشيء فقوام فعله وانفعاله بذلك الشيء ، إذ الفعل والانفعال بعد الوجود والقوام وفرعه ، إذ الشيء يوجد أوّلا إما بذاته أو بغيره ثم يؤثر في شيء أو يتأثر عنه .
فكلما كان وجود القوة في نفسها متعلقا بمادة جسمانية بما لها الوضع كان تأثيرها أو تأثرها أيضا بمشاركة المادة ووضعها بالقياس إلى ما تؤثر فيه أو يتأثر عنه ، فلأجل هذا نحكم بان البصر لا يرى الا لماله نسبة وضعية إلى محل الباصرة ، والسامعة لا تنفعل ولا تسمع الا ما وقع منها في جهة أو أكثر ، فهذا هو البرهان .
البحث الثاني المعارضة برؤية اللّه لعباده ، قال : على أن هؤلاء غفلوا عن معارضتهم بان اللّه يرى نفسه ويرى العالم وهو ليس بجهة من نفسه ولا من العالم بجهة ، فإذا جاز ذلك فقد بطل هذا التخيّل ، وهذا مما يعترف به أكثر المعتزلة ولا مخرج عنه لمن اعترف به .
أقول : هذه المعارضة مدفوعة ، اما رؤية اللّه نفسه فلا انتقاض بها ولا معارضة بسببها ، لان مرجع رؤيته تعالى لذاته إلى تعقله لذاته ، ومرجع تعقله وعلمه لذاته هو نفس
هامش
( 1 ) - بجهة « الاقتصاد » .
( 2 ) - ينبغي ان لا يعلم غيره الا على وفقه « الاقتصاد » .