والمجانين والكهنة ، وكذا التعقل إذا اشتد يصير مشاهدة قلبية ورؤية عقلية لا خيالية ولا حسّية .
وبالجملة الاحساس والتخيل والتعقل أنواع متقابلة من المدارك كل منها في عالم اخر من العوالم الثلاثة ويكون تأكد كل منها حجابا مانعا عن الوصول إلى الاخر .
إذا تمهد ما ذكرنا فلنشرع في شرح الحديث فنقول : قوله عليه السلام : اتفق الجميع لا تمانع بينهم ان المعرفة من جهة الرؤية ضرورة ، معناه : انه لا خلاف لاحد في أن حصول المعرفة من جهة الرؤية امر ضروري ، وان رؤية الشيء متضمنة لمعرفته بالضرورة بل الرؤية بالحسّ نوع من المعرفة ، فان من رأى شيئا فقد عرفه بالضرورة .
قوله عليه السلام ثم لم تخل المعرفة . . . إلى قوله عز ذكره : ثم لا تخلو هذه المعرفة ، الواقعة من جهة الرؤية البصرية ، انها هي الايمان أو ليست بايمان .
وبعبارة أخرى : لا يخلو الايمان باللّه وصفاته وآياته هو نفس هذه المعرفة التي هي رؤية اللّه أم لا ، فإن كان الايمان بعينه هو هذه المعرفة التي مرجعها الادراك البصري والرؤية الحسية ، فلم تكن المعرفة العلمية التي حصلت للانسان من جهة الاكتساب بطريق الفكر والنظر ايمانا لأنها ضدّه ، لأنك قد علمت أن الاحساس ضدّ التخيل وان الصّورة الحسية ضدّ الصورة العقلية .
ولو حققت الامر ودققت النظر لانكشف عليك حق الانكشاف واتضح غاية الاتضاح ان المدرك والمدرك دائما من جنس واحد ، بل القوة المدركة كالمادة والصورة الادراكية كالصورة التي بها تخرج المادة من القوة إلى الفعل ومن حدّ النقص إلى حد الكمال ، وكمال الشيء تأكد ذاته ، وشدة وجوده ليس بأمر مباين له .
ولهذا ذهب بعض محققي الحكماء الأقدمين والكبراء الراسخين في العلم إلى الاتحاد بين القوة المدركة وصورتها الادراكية ، فالقوة الحاسّة اذن تتحد بمحسوسها والخيالية تتحد بمتخيلها والعقلية تتحد وتستكمل بمعقولها ، فكما ان الفرق ثابت معلوم بين الحسّ والعقل والبعد بينهما كما بين الأرض والسماء ، فكذلك يجب ان يكون التّضاد والتخالف متحققا بين الرؤية الحسّية والادراك العقلي .
فثبت ان المعرفة القلبية المكتسبة في دار الدنيا ضدّ الرؤية البصرية ، فإذا لم يكن الايمان بالحقيقة مشتركا بينهما ولا امرا جامعا لهما ، لثبوت التضاد وغاية الخلاف بينهما ، ولا
شرح أصول الكافي — صفحة 144
مساهمون: محمد خواجوى
ص١٤٤